Wednesday, 3 August 2016

آدم هذا كان ميِّتَا فعاش، وكان ضالًّا فَوجِد .. تأملات سريعة في مثل الابن الضال



مُقدِّمة:


حقًّا يَعكسُ مَثَلُ الابنِ الضالِّ قصَّةَ البشريَّة مع اللهِ، والمثلُ هو تكملةٌ رائعة لقصَّةِ آدم وحوَّاء الغير مُنْتَهِية. لقد توقَّفت قصَّة آدم وحوَّاء عند السقوط، وبقى الإنسان في حيرةٍٍ مِنْ أمره، الذي تسبَّب هو نفسه في حدوثه. فجاءَ مثلُ الابنِ الضالِّ شارحًا بقوَّةٍ ووضوحٍ العلاقة الإلهيَّة-الإنسانيَّة على مدى التاريخ البشريّ.

وسنعقِد مُقارنة مُختَصرة بين القصَّتينِ مع بعض التأمُّلات في الأحداث (وحاول عزيزي القارئ أنْ تربط بين الآيات التي لها نفس اللون).. 


تمرُّد الإنسان على الله:

«كان لرجل ابنان. فقال أصغرهما لأبيه: يا أبت أعطني النصيب الذي يعود علي من المال. فقسَّم ماله بينهما. وبعد بضعة أيام جمع الابن الأصغر كل شيء له، وسافر إلى بلد بعيد، فبدَّد ماله هناك في عيشة إسراف» (لوقا ١٥: ١١- ١٣). 
«وكانت الحية أحيل جميع حيوانات الحقول التي صنعها الرب الإله. فقالت للمرأة: «أيقينًا قال الله: لا تأكلا من جميع أشجار الجنَّة؟» فقالت المرأة للحيَّة: «من ثمر أشجار الجنَّة نأكل، وأمَّا ثمر الشجرة التي في وسط الجنَّة، فقال الله: لا تأكلا منه ولا تمساه كيلا تموتا». فقالت الحيَّة للمرأة: «موتا لا تموتان، فالله عالم أنكما في يوم تأكلان منه تنفتح أعينكما وتصيران كآلهة تعرفان الخير والشر». ورأت المرأة أن الشجرة طيبة للأكل ومتعة للعيون وأن الشجرة منية للتعقل. فأخذت من ثمرها وأكلت وأعطت أيضًا زوجها الذي معها فأكل» (تكوين ٣: ١- ٦). «فأخرجه الربُّ الإله مِن جنَّةِ عدن» (تكوين ٣: ٢٣).

لقد اختار الإنسانُ لنفسه الموتَ دون الحياة، ففصل المخلوق مِنَ العدم (أي الإنسان) نفسه عن مصدر وجوده، فكان موته حتميًّا. السمكة التي تخرج مِنَ الماءِ تموت، لأنَّه في الماءِ يُوجَد ما تستمدُّ منه حياتها، تمامًا كما المريض الـمُحتاج للأكسجين (Oxygen) إذا فَصَلَ عن نفسه المصدر فإنَّه يموتُ في الحال. 
فالله لم يُهلِك الإنسان ولا أماته، لا فهو كلِّيّ الصلاح، بل الإنسان هو مَنْ أتى بالفساد على طبيعته، وأدخلَ عُنصرَ الخطيَّة إلى طبيعته النقيَّة فتلوثت، وظلَّت تتآكل بالخطيَّة وتُفسَد بالشرِّ حتى أصبحت متهالكة وعُرضة للموت.  
لم يُذكَر في مثل الابن الضال أنَّ الأب طرد الابن مِنَ البيت، ولكن ما حدث كان أنَّ الابن نفسه هو مَنْ ترك المنزل وسافر بعيدًا بكامل إرادته الحرَّة، أمَّا في سفر التكوين فيذكر الكاتب أنَّ الله «أخرجه من جنَّةِ عدن». هذا لا يَعني إطلاقًا أنَّ الله قد عاقب الإنسان بالطرد عقابًا انتقاميًّا، ولكنَّه نَفَّذ حُكمَ الطردِ على الإنسان، الذي أعلنه الإنسان فعليًا حينما أراد أنْ يتألَّه بالمعرفة بعيدًا عن الله ورفض التّدرُّج في الكمال حتى يَصلَ للألوهة الحقَّة النقيَّة. 
لِقَد أراد الابن نصيبه في الميراث فقسَّمه أبوه وأعطاه إياه وتركه يُسافر بعيدًا بمحض إرادته الخاصَّة، وأراد الإنسان في آدم التألُّه بمجهوده الخاصِّ بعيدًا عن الله وبدونه، فأخرجه الربُّ الإله مِنْ جنَّة عدن (كلمة "عدن" تعني النعيم) تاركًا إياه يخضع لهواه ولاختياره الشخصيّ، مُحتَرِمًا الحريَّة التي خلقه عليها. 


محاولة فاشلة للرجوع -بالقوَّة الذَّاتيَّة- إلى الحالةِ الأولى:


«فلما أنفق كل شيء، أصابت ذلك البلد مجاعة شديدة، فأخذ يشكو العوز. ثم ذهب فالتحق برجل من أهل ذلك البلد، فأرسله إلى حقوله يرعى الخنازير» (لوقا ١٥: ١٤، ١٥). 
«فانفتحت أعينهما فعرفا أنهما عريانان. فخاطا من ورق التين وصنعا لهما منه مآزر» (تكوين ٣: ٧). 

مُسكينٌ هو الإنسان!! يَظنُّ أنَّ ببعض أوراق التِّينِ يُمكِن أنْ يَستُرَ نفسه ويداري عُريه، أو أنَّه بوظيفة كرعاية الخنازير يُمكِن أن يُعوِّض أكوام المال التي نالها من أبوه وأنفقها على ملذَّاته!!  
لو كان العُري المقصود في القصَّة هو عري الجسد، لكان ورق التِّين جديرًا بالثقة في ستر الجسد، ولكن الأمر ليس كذلك، بل إنَّه عُري الإنسان -المخلوق مِنَ العدم- مِنْ نعمةِ الله وَمِنْ مجده، هذا هو العُري الحقيقيّ الذي لا يُمكِن أنْ يُستَر بأيّ شيء آخر مهما كان. 
آهٍ مِنْ شدِّة غباء الإنسان! لقد ظنَّ هذا الشقيّ أنَّ أوراق التين يُمكِنها أنْ تستبدل عمل النعمة الإلهيَّة في ستر الجسد مِنْ ضرباتِ الشرِّ ومن لدغاتِ الحيَّةِ. 
آهٍ لِقَد هَبَطَ الإنسان إلى أدنى حالات الوسخ والقذارة بمعاشرته للخنازير، تَلَطَّخ وتَوَسَّخ وبدأت صورة أبيه الجميلة -التي فيه- في التشوُّه مِنْ كثرة قاذورات الخنازير، وصار وجهه مُعتمًا بعد أنْ كان مُستنيرًا بفضل خير أبيه، وصارت رائحته كريهة بعد أنْ كان يتطيَّب بعطور وروائح أبيه العطرة الفائقة الجمال، وصارت ملامح وجهه عابسة بعد أنْ كانت تَشعُّ بالفرح والابتهاج في بيت أبيه. 
آه أيها الإنسان الشقيّ! تركت النعيم الأبدي من أجل ملاذ وحريَّة وهميَّة ووقتيَّة أخضعتك تحت نير الخنازير. الويل لك أيها الشقيّ البائس.  

هكذا أحبَّ الله آدم (العالم):


وظلَّت البشريَّة تائهة، شاردة، مُتخبِّطة، فاقدة الأمل وعلى رجاءٍ وأمل في نفس الوقت، تضع قدميها على طريق الرجوع تارةً، وتارةٌ أخرى تَنْزَلِقُ بعيدً عن الطَّريقِ في الإتجاة الـمُعاكِس تمامًا. وعندما قّرَّرَ الإنسانُ العودة، عاد ولكن على أملِ أنْ يكونَ مُجرَّد عبدًا في بيتِ أبيه كأقصى طموحٍ ورضا. وأخضع نفسه تحت نيرٍ ثقيل (هو الناموس) وظلَّ يَتَحَامَل على نفسه شيئًا فشيئًا لأنَّه يُؤمِنُ تمام الإيمانِ بأنَّه لَنْ يرتفع فوقَ قامةِ العبدِ، وكعبدٍ لابدَّ وأن يُقيَّد بقيودٍ ثقيلةٍ، تُحِدُّ صعودَه نحو تألُّهِهِ. 
كان هذا هو فكره، لأنَّ رؤيته لأبيه كانت رؤيةٌ مُشوَّهة وغير ناضجة، رؤيةٌ ترى في الأب غليلًا وانتقامًا يَنْتَظِرُ مَنْ يُخطئ حتَّى يَصبُّ عليه جاماتَ غضبه ويُلحِق به أشدَّ العقاب لأنَّه تَعدَّى وصيَّته! نعم، لقد كانت هذه هي نظرة العهد القديم نحو الله. فهل كانت هذه الرؤية واضحة وكاملة؟

«أقوم وأمضي إلى أبي فأقول له: يا أبت إني خطئت إلى السماءِ وإليك. ولست أهلًا بعد ذلك لأن أدعى لك ابنًا، فاجعلني كأحد أجرائك» (لوقا ١٥: ١٨، ١٩).  


عندما رآه أبوه قادمًا مكسورًا ومُحطَّمًا وبائسًا، لا يرى في نفسه سوى مجرَّد عبدٍ، يُحاول التَمرُّن على الكلمات التي رتَّبها ليُرضي بها -حسب ظنُّه- كرامة أبيه المجروحة وغروره، ويُقوِّي نفسيَّته على تَحمُّل نظرات الشماتة والإستهزاء مِنْ أبيه، وبالتبعيَّة مِنْ جميع مَنْ في البيتِ. ولكن على غير الـمُتوقَّع تمامًا، لم يَتَحمَّل هذا الأب الصالح أنْ يَترك هذا الابنُ العائدُ يَصِلَ إلى البيت بهذه الحالة، بل في ردِّ فعلٍ عجيب ومُدهِش، بادَر هو وجرى نحوه إلى نحو منتصف الطريق ليأخذ بيده ويرفع مِنْ معنويَّاته ويؤكِّد له بقوَّةٍ أنَّه لايزال المحبوب الأوَّل، وأنَّه سيدخل البيت كابنٍ وارثٍ لا كمجرَّد عبدٍ.  



«وكان لم يزل بعيدًا إذ رآه أبوه، فتحركت أحشاؤه وأسرع فألقى بنفسه على عنقه وقبله طويلاً… وقال الأب لخدمه: أسرعوا فأتوا بأفخر حلة وألبسوه، واجعلوا في إصبعه خاتمًا وفي قدميه حذاءً» (لوقا ١٥: ٢٠، ٢٢). 


هنا نرى تجسُّد الكلمة وتجلَّي الثالوث في حياة البشريَّة بمنتهى الوضوح. فالآب عندما رأى البشريَّة تئنُّ، أسرع وألقى بنوره الذاتي وكلمته (اللوجوس) وقبَّل البشريَّة بقبلاتِ الرحمة والحبِّ والقبول. 
نزول الأب العطوف مِنْ بيته هو تجسُّد الكلمة عينه. 
حضن الأب لابنه، هو رمز لاتحاد اللاهوت بالناسوت، الله بالبشريَّة الضائعة الهاوية. لَمْ ينتظر الله مِنَ البشريَّة أنْ تأتي إليه، ولكن أسرع هو نحوها بشغفٍ ومشاعر أبويَّة تُثير الدهشة، بل وألبسها أفخر حُلَّة، والتي بلا شكٍّ ترمز للروح القدس الحامل الحياة الإلهيَّة، الذي ألبسه الكلمة بتجسُّده للبشريَّة، والذي به هو نفسه نَلْبِس الربَّ يسوع، فنخلع عنَّا الموت ونلبس عدم الفساد (كورثنوس الأولى ١٥: ٥٤). 
والخاتم هو العلامة الملوكيَّة الـمُميِّزة للابن كوراث وكعضو في المنزل، وهو رمز لدم المسيح المطبوع على جباهنا، علامة الخلاص والنُصرة على الموت الذي سحقنا قبلًا.  
خروج الأب مِنَ البيت ليس هو تجسُّد الكلمة وحسب، بل هو أيضًا السير مع البشريَّة في طريق العودة إلى المنزل بالكرامة التي ترك بها المنزل أوَّلًا، بل وأعلى منها. هذا الذي كان مِنَ المستحيلِ إتمامه لولا خروج الأب ودخوله حاضنًا ابنه المحبوب. 
خروجه ورجوعه بابنه، هو موته حاملًا البشريَّة في شخصه، وقيامته بكل البشريَّة الـمُنجمعِة فيه، وصعوده أيضًا بالبشريَّة المتَّحدة به بلا افتراق إلى المنزل (أي الملكوت) للتمتُّع الأبدي، والذي من غير الـمُمكِن أنْ يفترِق إلى الأبد. 
حقًّا سيفرح بنا الله أمام ملائكته قائلًا: 

«البشريَّة هذه كانت ميِّتة فأحيِّيتُها، وكانت ضالَّة فَوجدتُّها»

  

بنعمة الله، 





Friday, 15 July 2016

مَنْ هو الله وَكَيفَ نُدرِكه؟! الجزء الأول



مَنْ هو الله؟!  

«اَللهُ رُوحٌ» (إنجيل مُعلِّمنا يوحنَّا ٤: ٢٤) ...  
«هُوَ الْحَيَاةُ» (إنجيل مُعلِّمنا يوحنَّا ١١: ٢٥) ...  
«اللَّهُ مَحَبَّةُ» (رسالة مُعلمنا يوحنَّا الأولى ٤: ٨) ... 
«هُوَ النُّورُ» (إنجيل مُعلِّمنا يوحنَّا ٨: ١٢). 
  
يُمكِن تلخيص هذا السؤال (الذي لا يُمكِن أبدًا إجابته) في قول أبينا القمُّص تادرس يعقوب:  
[الله ليس فكرة نؤمن بها، ولا هو بالكائن الأسمى البعيد عنا في السموات، الـمُعتَزِل عالمنا.
حقًّا يليق بنا أن نخافه ونخدمه ونعبده، ولكنه ليس بالكائن الجامد، إنما هو محبُّ البشر. يهبهم معرفته الإلهيَّة لكي ينعموا بحبه ويدركوا أبوته. يريد أن يكون قريبًا جدًّا منهم، ليجعلهم واحدًا معه؛ يسكن في نفوسهم، مانحًا إياهم القدرة على شركة مجده. بمعنى آخر، يُعلِن الله عن ذاته للبشريَّة، لا لكي ينشغلوا بمجادلات نظريَّة، ولا لكي يفرض سلطانه عليهم، وإنما لكي يجتذبهم إليه، كما يجتذب الأب الطبيعي أولاده. إننا نَجِد في أبينا السماوي نبع الحياة والخلود والمسرة الأبديَّة والمجد.](١)    
  
هل لله هيئة بشريَّة وجسد؟  

الله لا جَسَد له(٢)، ولا يُمكِن أن يُفهَم بحسب الطريقة البشريَّة، وفي نفس الوقت لا يُمْكِنُنا إدراكه إلا بالتبسيط والمجاز، لأننا كمخلوقات، ليس لها سوى تفكيرٍ محدود، لا يُمكن أبدًا لنا أن نستوعب الجوهر الإلهي أو نُدرِكه، فهذا حقًّا مُستحيل. ولذلك، فقد استخدم الكتاب الـمُقدَّس، بإرشاد الرُّوح القدس، بعض الكلمات بهدف المجاز والرمز لتوضيح الله أكثر بالنسبة للإنسان.  

يقول القدِّيس كيرلس الكبير:  
[حين يَذكر الكتاب الـمُقدَّس أن لله أيدي، وأرجل، وأعين، يَنبغي علينا حينئذٍ أن نُدرِك تمامًا أن الله ليس مثل البشر له عضو جسديّ، لأنه هو غير جسديّ.  
الذين يتمتَّعون بعقلٍ سليم، ويتناولون الأقوال الخاصَّة بأسرار الألوهيَّة التي لا تُوصَف، يَرون أنها لا علاقة لها بالمخلوق، بل تَسمو أيضًا فوق أي ذهنٍ يَقِظ، وهي أسمى من أي تخيُّلاتٍ جسديَّة، كما يقول بولس الرسول: «سَاكِنًا فِي نُورٍ لا يُدْنَى مِنْهُ» (رسالة مُعلِّمنا بولس الرسول الأولى إلى تيموثاوس ٦: ١٦). فإذا كان النور الذي يُحيط بالألوهيَّة لا يُدنَى منه، فكيف يُمكِن لأحد أن يَصِفَ هذه الألوهيَّة؟  
فنحن نَرَى «فِي مِرآةٍ، فِي لُغزٍ لَكِن حِينَئِذٍ وَجهًا لِوَجهٍ» (رسالة مُعلِّمنا بولس الرسول الأولى إلى أهل كورنثوس ١٣: ١٢). بالتالي، العُنصر الإلهي ليس جسديًّا حتى يُمكِن وصفه، فلا كَمَّ له ولا حَجم ولا شكل يُمكِن لأحدٍ أن يَصِفه. إذًا، فالإلهيّ الذي يُدرَك هكذا - من طبيعته كما شرحنا- كيف نقول عنه إنَّه يَتكوَّن مِن أجزاءٍ وأعضاءٍ؟ لأنَّه لو كان أحدٌ يعتقد - عن حقٍ- أن الألوهيَّة تتكوَّن مِن أجزاء، عندئذٍ لا يستطيع بعد يعتبرها غير جسديَّة.  
بالتالي، كل شيء له شكل، له أيضًا كَمٌّ، ويُوجَد في مكان. وذاك الذي يُوجَد في مكانٍ ما، يُمكِن بالطبعِ أن يُوصَف، لكن هذه هي خواص الأجسادِ، وهي غريبةٌ تمامًا عن الطبيعة غير الجسديَّة.  
بُناءً على ذلك، لا الأعين، ولا الأذُن، ولا طبعًا الأيدي والأرجل ينبغي أن ننسبها إلى الله، بل ولا حتى الأجنحة التي ربما لا يُمكِن للمرء أن يتخيَّلها في الأجساد الماديَّة والسَّميكة، وإن كان يَقبلها في الأجساد الرقيقة وغير الماديَّة مثل طبيعة الله. لأنه من الغباء أن يُفكِّر أحد بمثل هذا التفكير. لأن الله هو روح (إنجيل مُعلِّمنا يوحنَّا ٤: ٢٤)، وطالما هو روح، فهو يَعرِف كل شيء، ويُشرِف على كُل شيء، ويَعتني بكل شيء، لأنه لا شيء من كل الموجودات التي تُوجَد غير مَعروفٍ لديه.  
لكن حين يَتَحدَّث الكتاب الـمُقدَّس عن أعضاء أو جُزيئات في نصوص تُحدِّثُنا عن الله، يجب أن نُدرِك أنه يحثنا مُسْتَخْدِمًا تلك الأقوال التي يَحتويها ذهننا، وبالأشياء التي تَكَوَّن بها جسدنا أثناء الخلق. لأنه لم يَكُن مِن الـمُمْكِن بطريقةٍ أخرى (غير بشريَّة) أن نُدرِك الألوهيَّة.  
بُناءً على ذلك، فالعِلَّة والسبب الحقيقيّ الذي جَعَلَ الكتاب المُقدَّس يُحدِّثنا عن الله بأقوالٍ تَخُصُّ الأعضاء الجسديَّة، هو ضعف عقلنا ولغتنا. بدون شك الأمور الـمُتعلِّقة بالله هي أبعد مِنْ أن تُوصَف. وبالتأكيدِ لا يُمكنُنا أن نُدرِك الأمور الهامَّة عن الله، نحن الذين نَحْيا في أجساد ماديَّة وسميكة، إلَّا فقط، إذا قَبِلنا أمثلة ونماذج تتناسبُ مع نوعيّة طبيعتنا. بمثلِ هذه الطريقة فقط، يَكونُ لدينا الـمَقدرة أن نَرتَفِع نحو مفاهيم سامية عن الله.](٣)  
  
ولعلَّ أكثر من أسهب كثيرًا في شرح لغة الكتاب المجازية وحارب الحرفيَّة القاتلة هو عبقري المسيحيَّة الأولى العلَّامة أوريجانوس، خليفة العلَّامة إكليمنضس السكندري، فيقول:  
[أعرِفُ أَنَّ بعضًا يحاولون أن يقولوا بأنَّ الله جسم حتَّى إنهم يَسْتَذكِرون الكتاب أيضًا، لأنهم يقرأون في موسى: «إلَهُنَا نَارٌ آكِلَةِ» (خروج ٢٤: ١٧)، وفي إنجيل يوحنَّا: «اللَّهُ روحٌ. وَالَّذِينَ يَعْبُدُونَهُ يَنْبَغِي عَليهمْ أَنْ يَعْبُدُوهُ بِالرّوحِ وَالْحُقِّ» (إنجيل مُعلِّمنا يوحنا ٤: ٢٤). فَهُم يفهمون النار والروح كأنَّهما محض جسمين. إنَّني أُريد أَنْ أسألهم رأيهم في تأكيد الكتاب هذا: الله نور. يكتب يوحنا، بالواقع، في رسالته: «اللهُ نُورٌ، وَلَيْسَ فِيهِ ظَلِمَة» (رسالة مُعلِّمنا يوحنَّا الأولى ١: ٥). إنَّه، بِلا مُراءٍ، ذلك النور الذي يضئ كامل إدراك أولئك الذين يستطيعون فهم الحقيقة، كما يقول المزمور: «بِنُورِكَ سَنُعَايِنُ النَّوَرَ» (مزمور ٣٦: ٩). فماذا نُسمِّي نور الله الذي به يُرى النور، سوى أنه قُدرَة الله التي تُرِي مَنْ تُنِيرُه حقيقة الأشياء كلها، أو تُطلِعه على معرفة الله نفسه المسمَّى الحقّ؟ هذا ما تعنيه العبارة: «بنورك سنعاين النور»، ألا أننا سنُعاينك أنت الآب في كلمتك وحكمتك، أي في ابنك. هل يجب اعتباره، مادام يُدعى نورًا، شبيهًا بنورِ الشمس؟ وكيف نُعطَى بضع ذكاءٍ منه، ولو نزرًا يسيرًا، فنُدرِك ابتداءً من هذا النور الجسميّ علَّة المعرفة، ونجد فهم الحقيقة؟  
إن ارتضى محاورونا بطرحنا -الذي أقام العقلُ نفسُه الدليلَ عليه، في موضوعِ طبيعة هذا النور- وأقرُّوا بأنَّه من غير الـمُمكِن إدراك الله كأنَّه جسم، حسب معنى هذا النور، يضحي في وسعنا أن نُقدِّم لهم تعليلًا مماثلًا بشأن النار الآكلةِ. وفي الواقع، ماذا يَلتَهِم الله من حيث إنه نار؟ أيُمكن الاعتقاد بأنه يلتهم مادَّة جسميَّة كالخشب، والتبن، أو الهشيم (رسالة مُعلِّمنا بولس الرسول الأولى إلى أهل كورنثوس ٣: ١٢)؟ ماذا يصنع ممَّا هو جدير بالمديح، إن هو نار تلتهم مثل هذه المواد؟ ولكن، لننظرنَّ فيما يَلتَهِمه الله ويُبيده: إنه يَلتَهِم أفكار السوء، ويَلتَهِم أفعال الخزي، ويَلتَهِم رغائب الخطيَّة حينما ينساب في عقول المؤمنين، وحينما يَسكُن مع ابنه في النفوس التي جُعِلَت قادرة أن تَتَقبَّل كلمته وحكمته، كما قِيل: «أنا وأبي نأتي إليه، ونجعل عنده مَقامنا» (إنجيل مُعلِّمنا يوحنَّا ١٤: ٢٣)! وبعد إذ يَلتَهِم فيها الرذائل كلها وجميع الأهواء يجعل منها لنفسه هيكلًا نقيًّا وخليقًا به.   
أمَّا الَّذين يحسبون أن الله جسم، إذ يُدعى روحًا، فيجب علينا أن نُجيب عنهم بهذا القول: يدأب الكتاب الـمُقدَّس على تسمية ما هو نقيض هذا الجسم الكثيف والجامد روحًا، عندما يُريد أن يَدُلَّ عليه. ويقول في هذا: «إِنَّ الحَرْفَ يَقْتُل، أمَّا الرُّوح فَيُحْيي» (رسالة مُعلمنا بولس الرسول الثانية إلى أهل كورنثوس ٣: ٦). ما لا شكَّ فيه أن الحرف يَدُلُّ على الوقائع الجسميَّة، والروح على الوقائع العقليَّة التي نَدعُوها أيضًا روحيَّة.](٤)
  

كما يقول أيضًا في حديثه عن هؤلاء الذين يَفهمون كل ما كُتِب حرفيًّا بدون تمييز أو إفراز، وبدون البحث في أعماق المعنى الروحي للنص:  
[لو قَرَأَ هؤلاء في أي موضع في النصوصِ الإلهيَّة أن «السَّمَاءُ عَرْشِي وَالْأَرْض مَوْطِئ قَدَمِيَّ» (أشعياء ٦٦: ١)، (سيفهمون) أن الله إلى هذا الحدِّ تَصِل ضخامة جسمه حتى أنَّهم يفهمون أنَّه يجلس في السماءِ ويَمدُّ قدميه حتى الأرضِ. ولكنهم يُفكِّرون هكذا لأنَّهم لا يَملكون تلك الآذان التي تستطيع بجدارِة (وتمييز) أن تستمع إلى الكلماتِ الإلهيَّة عن الله الـمُتَعلِّقة بالنصوص الـمُقدسَّة. لأنَّ عبارة «السَّمَاءُ عَرْشِي وَالْأَرْض مَوْطِئ قَدَمِيَّ» تُفهَم بجدارة عن الله على النحو الآتي، أنَّنا نحن قد نَعْلَم أنَّ الله يرتاح ويُقيم في هؤلاء الذين «مَوْطِنُهُمْ فِي السَّمَاءِ» (فيليبي ٣: ٢٠). أمَّا في هؤلاء الذين لا زالوا متورطين في الأمورِ والمسائل الأرضيَّة، فإنه يوجد أبعد جزء عن عنايته الإلهيَّة وتدبيره، وهو ما يُرمَز إليه بقدميه](٥)
  

ولا يُعَدُّ شرح أوريجانوس هو التفسير الوحيد للآية، فآباء الكنيسة تمتَّعوا بتنوع التفاسير للنصِّ الواحد، بدون خروج عن العقيدة السليمة، بل خلق هذا التنوع تناغم Harmony جميل عاد على الكنيسة بكنزٍ روحيٍّ دسم. فيقول القدِّيس يوحنَّا الدمشقي عن "مكان الله" في تفسيرٍ آخر:
[وهناك مكانٌ عقلانيٌّ فيه تُعقل الطبيعة العقليَّة اللاجسميَّة، وفيه تُوجَد وتَعْمَل. لكنها لا توسعُ اتساعًا جسميًّا، بل عقليًّا. فليس لها جسم لكي توسَع اتساعًا جسميًّا. فإنَّ الله إذًا -الذي هو لا ماديّ وغير محدود- هو أيضًا ليس في مكانٍ، بل هو مكان لذاته، وهو يملأ الكلَّ وهو فوق الكلِّ وهو نافذ في الكلِّ (٦). ويُقال بأنَّه تعالى في مكانٍ، ويُقال مكان الله حيث يكون فعلُه فيه واضحًا. وهو ينفذ بذاته في الكلِّ دون اختلاط ويُشرِك الجميع بفعله نفسه، كلًّا على حسب طاقاته واستيعاب قوتّه- أي على حسب طهارته الطبيعيَّة والطوعيَّة... إذًا إنَّ ما يُدعى مكان الله هو ذاك الذي له نصيبٌ أوفر في فعله تعالى ونعمته. لذلك «فالسماء عرش له» (أشعياء ٦٦: ١)- لأن فيها الملائكة يُتمِّمون مشيئته ويمجِّدونه على الدوام. و «الأرض موطئ قدميه» (أشعياء ٦٦: ١)- لأنَّه «تراءى عليها بالجسد وتردَّد بين البشر» (بارووك ٣: ٣٨). وتُطلَق تسمية "رجل الله" على جسده الـمُقدَّس. ويُقال للكنيسة أيضًا مكان الله لأنَّها مُخصَّصة لتمجيده... كذلك أيضًا الأمكنة التي يتمُّ فيها فعل الله ظاهرًا -بجسد أو بلا جسد- تُسمَّى أمكنة الله.](٧)

كما نَجِدُ تفسيرًا آخر لدى القدِّيس يوحنَّا كاسيان عن الأعضاء الجسديَّة التي تُنسَب إلى الله رمزيًّا:  
[لأن هذه الأشياء التي تُقال عن الله إذا فُسِّرت حرفيًّا بصورة ماديَّة يُمْكِنُنا القول أيضًا أنَّه ينام وفقًا للنصِّ: «اِسْتَيْقَظَ يَا رَبُّ لِمَاذَا تَتَغَافَى؟» (مزمور ٤٤: ٢٣)، مع أنَّه قيل عنه في مكانٍ آخر:«إِنّهُ لَا يَنْعَسُ وَلَا يَنَامَ حَافِظُ إِسْرَائِيلَ» (مزمور ١٢١: ٤). وأنه يقف ويجلس إذ يقول: «السَّموَاتُ كُرْسِيَّ وَالْأَرْضِ مَوْطِئ قَدَمِيَّ» (أشعياء ٦٦: ١)، مع أنه «كَالَ بِكَفِّهِ الْمِيَاه وَقَاسَ السّموَاتَ بِالشِّبْرِ» (أشعياء ٤٠: ١٢). وهو «معيط من الخمر» حسب قوله:«وَاِسْتَيْقَظَ الرَّبُّ كَنَائِمٍ، كَجبَارِ مُعِيط مِنَ الْخُمُرِ» (مزمور ٧٨: ٦٥). في حين أنه هو «الَّذِي وَحْدَهُ لَهُ عَدَمُ الْمَوْتِ، سَاكِنًا فِي نُورٍ لاَ يُدْنَى مِنْهُ» (رسالة مُعلِّمنا بولس الرسول الأولى إلى تيموثاوس ٦: ١٦). ولا داعي لذكر «الجهل» و«النسيان» اللذيّن كثيرًا ما يَرِد ذكرهما في الكتاب المقدس. وأخيرًا وصف أعضاء الجسد التي نُسِبَت إليه كما لو كان إنسانًا، كالشعر والرأس والأنف والعينين والوجه واليدين والذراعين والأصابع والبطن والقدمين. إذا عمدنا إلى أخذها جميعًا وفق معناها الحرفيّ العاديّ، فيلزمنا أن نُفكِّر في الله بما يتّفق مع صورة الأعضاء وشكل الجسم، وهذا أمر بشع حقًّا حتَّى مجرد الكلام عنه، ويتحتم أن نستبعده تمامًا عن أفكارنا...  لا يُمكِن - دون تجديف - تفسير هذه الأشياء حرفيًّا عنه، وهو الذي أعلن، بنصِّ الكتاب المُقدَّس، أنه غير مَرئيّ، لا يُعبَّر عنه، غير مُدرَك، غير مَفحوص، بسيط، غير مُركَّب. إذن لا يمكن إسناد نزعة الغضب والسخط إلى تلك الطبيعة غير الـمُتغيِّرة دون تجديف فظيع، إذ علينا أن نُدرِك أن الأعضاء تعني قدرات الله وأعماله غير المحدودة، التي لا يمكن تمثيلها لنا إلا بالوصف المعتاد للأعضاء. فينبغي أن ندرك أنَّ الفم معناه منطوقاته التي، من رحمته علينا، تنسكب دائمًا في حواس النفس الخفيَّة، أو التي تكلم بها بفم الآباء والأنبياء. وأنَّ العينين يعنيان الطبيعة غير المحدودة لبصره الذي يرى ويخترق به أستار كل شيء، ولهذا لا يخفي عليه شيء صنعناه أو يمكن أن نصنعه أو حتى ما يساورنا من أفكار. وأن اليدين ترمزان لعنايته وعمله اللذين بهما خلق جميع الأشياء وأبدعها. وأنَّ الذراعين يرمزان لقدرته وسلطته، بهما يرفع ويحكم ويضبط جميع الأشياء. ناهيك بأشياء أخرى، كشعر رأسه الأشيب مثلًا، الذي لا يعني سوى خلود الله ودوامه، فهو أزليٌّ لا بداية لوجوده، إذ هو قبل كل الأزمان، وهو يعلو جميع المخلوقات.](٨)  

و بالعودة للدمشي، فقد فسَّر هذه الأعضاء والتشبيهات الجسميَّة أيضًا، فيقول:
[ولـمَّا كنَّا نرى، في الكتاب الإلهيّ، الكثير من المقولات ترمز إلى الله بصورة جسميَّة أكثر منها روحيَّة، فيجب أن نعلم، نحن البشر لابسي هذا الجسد الكثيف، أنّّه لا يُمكِننا أن نفهم أفعال اللاهوت الإلهيَّة، السامية، اللاماديَّة، ولا أن نُعبِّر عنها إلا إذا استعملنا الصور والأمثال والرموز الـمُختصَّة بنا. وعليه كل ما يُقال في الله بصورة جسميَّة إنما يُقال بصورةٍ رمزيَّة، ومعناه أسمى من ذلك، لأن الإله بسيطٌ ولا شكل له. إذًا يُراد بعيني الله وجفنيه ونظره قوَّته الـمُشرِفة على الكلِّ معرفته التي لا خفيَّ أمامها. ذلك لما يحصل لنا من أكمل المعرفة واليقين بواسطة هذه الحاسَّة. ويُراد بأذنيه وسمعه وتعطُّفَه واستجابة سؤالنا، لأننا نحن أيضًا -بواسطة هذه الحاسَّة نفسها- نُؤخذ بالعاطفة فنُصبح أكثر استعدادًا لنميل بأُذننا نحو من يتوسَّلون إلينا. ويُراد بفمه وكلامه إعلان مشيئته، لأننا نحن أيضًا نُدلي بالفمِّ والكلام عن مكنوناتِ صدورنا. ويُراد بالأكل والشرب إسراعنا إلى تتميم مشيئته، لأننا بواسطة حاسَّة الذوقِ نُلبِّي شهوة الطبيعة الضروريَّة. ويُراد بشمِّه إعلان فكرنا إليه. وعلى مثال حاسَّة الشمِّ عندنا يحصل قبول رائحة فكرنا العطرة لديه. ويُراد بوجهه إعلانه تعالى وظهوره بأفعاله، كما يتمُّ ظهورنا من وجهنا. ويُراد بيديه فاعليَّتُه في عمله، لأننا نحن أيضًا نُنجز بأيدينا نفسها أفيد أعمالنا وأكثرها كرامة. ويُراد بيمينه إغاثتنا في الصالحات، لأننا نحن أيضًا نستعين بيميننا، خاصَّة في الأعمالِ الأكثر شرفًا وكرامة والـمُتطلِّبة قوةً أعظم من غيرها. ويُراد بلمسه فحصه أدقّ صغائر الأمور وما خفي منها وطلب الحساب عنها، لأنَّ الأشياء التي نلمسها نحن لا يُمكِنها أن تَخفَى علينا. ويُراد برجليه ومشيه، مساعدة الـمُحتاجين أو ردُّ الأعداء أو أيُّ عملٍ آخر يقتضي مجيئًا وحضورًا، لأننا نحن أيضًا ننتقل بواسطة رجلينا للمجئ. ويُراد بالحلف ثبات عزمه، لأننا نحن أيضًا نُثبت بالحلف عهود بعضنا مع بعضٍ. ويُراد بعضبه وغيظه، بعضُه الشَّرَّ ونفوره منه، لأننا نحن أيضًا نُبغِض ما يضادُّ رأينا فنغضب. ويُراد بنسيانه ونومه ونعاسه، تأجيله الانتقام من الأعداء وابطاؤه في منح الإغاثة الاعتياديَّة لأخصَّائه. وباختصار الكلام، إنَّ كلَّ ما يقال عن الله بطريقة جسميَّة يتضمَّن فكرةً خفيَّة تُرشدنا ممَّا فينا إلى ما يفوقنا. عدا ما يُقال عن مجيء الله بالجسد، فإنّه هو نفسه قد اتخذ -لأجل خلاصنا- الإنسان كلّه، نفسه العاقلة وجسده وخصائص طبيعته البشريَّة، الآلام الطبيعيَّة البريئة من اللومِ.](٩) 

فكل التشبيهات ما هي إلى وسيلة للعقل البشري الذي يستنفذ قواه ليتصوَّر غير المادي، ولكن تبقى هذه أمور فوق قواه وفوق تصوَّره. يقول القديس غريغوريوس النزينزي:
[«روح» (إنجيل مُعلِّمنا يوحنا ٤: ٢٤)، «نار» (تثنية ٤: ٢٤)، «نور» (إنجيل مُعلمنا يوحنا ٩: ٥)، «مَحبَّة» (رسالة مُعلمنا يوحنا الأولى٤: ٨)، «حِكْمَة» (أيُّوب ١٢: ١٣)، «عَدل» (مزمور ١٠٢: ١٧)، «عَقْلٌ» (إشعياء ٤٠: ١٣)، «كَلِمَةٌ» (إنجيل مُعلمنا يوحنا ١: ١)، أليست هذه التسميات الأولى للطَّبيعة؟ كيف ستدرك «الروح» بدون خواصه أي الحركة والانتشار؛ أو «النار» بدون اللَّهيب وارتفاعه إلى فوق، وبدون الشَّكل واللَّون؟ كيف تُدرِك «النور» مُنفصِلًا عن الهواء ومُستقلًّا عن نبعه الَّذي يُولد منه ومنه يأخذ شعاعه؟ «عقل»، وأيُّ عقلٍ؟ هل هو عقلٌ في آخر، عقل تَصَوُّرُهُ حركَةٌ، عقلٌ ساكن أم مُندفِق على الخارج؟ «كلمة»، وأيُّ كلمة؟ وهل هي شيء غير ذاك الَّذي يستريح في داخلنا ويطوف خارجنا؟ أتردَّد أن أقول أنَّ الكلمة إذا كانت غير ذلك تنحل. وإن كان «حكمة»، فأيُّ حكمةٍ هي؟ وهل هي غير إمكانيَّة البحث في الأمور الإلهيَّة والبشريَّة؟ وما قولك في «العدالة والمحبَّة»؟ هل هما ليسا سوى صفتين صالحتين، الأولى ضد الظُّلمِ، والثَّانية ضد البغضاءِ، وهاتان الفضيلتان تَشْتَدَّان وتَتَراخيان، وامتلاكهما أو فقدانهما متوقفٍ على مسلكنا؟ ... هكذا يَسْتَنفِذ عقلُنا قواه لكي يتملَّص من الأمور الجسديَّة ويُباشِر غير الجسديَّة، وهو عبثًا يسعى ما دام في ضعفه الذاتيّ يتشوَّق إلى ما هو فوق طبيعته.](١٠) 


وفي مثلٍ آخر يشرح القدِّيس أمبروسيوس معنى "أصبع الله"، فيقول:
[يُدعَى الروح القدس أصبع الله وذلك بسبب وجود شركة لا تَقبَل الانفصال ولا الانقسام بين الآب والابن والروح القدس. وكما أن الأسفار تُسَمِّي ابن الله «يدّ الله اليُمنَى» حسبما نقرأ: «يَمِينُكَ يَا ربُّ تَمجَّدَت بالقوَّةِ، يَـمِينُكَ يَا رَبُّ قَد سَحَقَت مُقاومِينَا» (خروج ١٥: ٦)، هكذا يُدعى الروح القدس أصبع الله، حسبما يقول الربُّ نفسه: «وَأَمَّا إِذَا كُنْتُ بِأَصْبعِ اللهِ أَطْرُدُ الشَّيَاطِينَ، فَقَدْ وَافَاكُمْ مَلَكُوتُ اللهِ» (إنجيل مُعلِّمنا لوقا ١١: ٢٠)، والروح هو المقصود بأصبع الله لأنَّنا نقرأ في إنجيل متَّى نفس القول حيث يقول الربُّ: «وَأَمَّا إِذَا كُنْتُ أَنَا بِرُوحِ اللهِ أَطْرُدُ الشَّيَاطِينَ» (إنجيل مُعلِّمنا متَّى ١٢: ٢٨).](١١)
 ثُمَّ يُكمِل قائلًا:
 [وإذا عُدنا إلى أصبع الله فإنَّنا نَعرِف أنَّ الله كَتَبَ بأصبعه على لوحيِّ الحجر اللذين أخذهما موسى (خروج ٣١: ١٨). ولم يَكتب الله بأصبع من اللحمِ الحروف والكلمات التي نقرأها في الوصايا العشر، وإنَّما أَعطَى الناموس بروحه.] (١٢)

وفي حوار القدَّيس يوستينوس، الفيلسوف والشهيد، مع تريفون اليهودي، سأله تريفون أن يَشرح له معنى القول بأن الربَّ أكل الطعام الذي أعده وقدمه له إبراهيم (تكوين ١٨: ٨)، فجاوبه القدِّيس يوستينوس قائلًا:
[عندما يُؤكِّد الكتاب أنَّهم أكلوا فإنَّنا نَفهَم هذا التعبير كما نفهم القول بأنَّ النيران تلتهم كلَّ شيء لا بمعنى أنَّهم أكلوا بمضغ الطعام بالأسنان والفكِّ. ولذا لا يُوجَد ما يُحيِّر إذا كانت لنا معرفة -ولو قليلة- باستخدام أساليب التعبير المجازي.](١٣)
  
إذن، يَتَّضِحُ لنا أنَّ التعبير المجازيّ لا يُسْتخدَم فقط ليَنسِب أعضاءً بشريَّة لله، بل يُسْتخدَم ليَنسِب بعض الأفعال والمشاعر الإنسانيَّةِ له أيضًا، كالتَكلُّم مثلًا. فيقول القدِّيس أغسطينوس: 
[بين مَنْ يقرأون ويسمعون هذه الكلمات نَجِد أُناسًا يتصورون أنَّ الله إنسانًا أو شكلًا له جسمٌ فيهِ قدرة لا متناهية قد أحدثت بفضل قرارٍ فجائيٍّ جديدٍ، وخارجًا عنها، أو على مسافةٍ منها، الأرض والسماء .. وهؤلاء حين يسمعون الكلمات التالية: «قال الله» ليكن هكذا! - فكان. يتصورون كلمات تبدأ وتنتهي؛ تُسمع نبراتها حينًا ثُم تختفي؛ وإن كان لديهم من تفسيرٍ آخر فإنه موسومٌ بطابعٍ مُلازِمٍ للمفاهيم البشريَّة. أولئك، لا يزالون أطفالًا لا سبيل لهم إلى الأفكار الروحيَّة ..] (١٤) 

وهو نفس ما قاله القدِّيس غريغوريوس النيسي أيضًا: 
[مِن التجديف والعبثية التفكير بأن الله تَكلَّم فِعليًّا في عمليَّةِ الخلق، فإنَّ الله لم يتكلَّم لا العبريَّة ولا غيرها مِنْ اللغاتِ عند توجهه إلي أشخاصٍ مثل موسي والأنبياء. لا، بل أوصل الله إرادته إلي فكر هؤلاء الرجال القديسين الصافي، بمقدار النعمة التي كانوا يشاركون فيها، وهم بدورهم أوصلوا إرادة الله بلغتهم الخاصَّة وبأشكالٍ تُناسِبُ حتَّي طفولةِ أولئك المجذوبين إلي معرفة الله.](١٥)  
 وسنكمل في الجزء الثاني من هذا البحث إيضاح اللغة المجازيَّة في نسب الأفعال والمشاعر الإنسانيَّة لله بحسب فكر آباء الكنيسة. 

لقراءة الجزء الثاني من البحث، اضغط هنا.

بنعمة الله،
چورچ نسيم سامي

---------------------------------------------------------------------------
المراجع والتعليقات:
(١) القمُّص تادرس يعقوب، كتاب "الله" صفحة ٥.  

(٢) يقول العلَّامة أوريجانوس
[لا ينبغي أن نتصوَّر الله وكأنّه جسم أو في جسمٍ، وإنَّما كأنّه طبيعة عقليَّة بسيطة، لا تقبل قط أي إضافة.] 
في المبادئ ١- ١- ٦، تعريب الأب جورج خوام البولسي، منشورات المكتبة البولسية، صفحة ٧٧. 
كما يقول القدِّيس أثناسيوس الرسولي:  
[الله بطبيعته لا جسد له، وغير منظور، ولا ملموس، فكيف يتخيلون أن الله جسد؟]  
رسالة إلى الوثنين ٢٩: ١..تعريب القمُّص مرقس داود.  

(٣) القدِّيس كيرلس الكبير، كتاب "ضد الذين يتصورون أن لله هيئة بشرية"، الفصل الأول. ترجمة دكتور چورچ عوض ابراهيم، صفحة ٤٩ و٥٠.  

‫(٤) العلَّامة أوريجانوس السكندري، في المبادئ ١ - ١ - ١، ٢ .. تعريب الأب جورج خوام البولسي، منشورات المكتبة البولسية، صفحة ٧٣ و٧٤.  
  
(٥) العلَّامة أوريجانوس الإسكندري ،العظة الأولى على سفر التكوين.  
The Fathers of the Church Series, Volume 71, Origen Homilies on Genesis and Exodus, Translated by Ronald E. Heine, Homily I, Page 64.  

(٦) يقول القدِّيس غريغوريوس النزينزي:
[إذا كانت الألوهة في نظرنا غير جسمانيَّة كان علينا أن نُواصل بحثنا شيئًا فشيئًا: هل الألوهة لا مكان لها أم هل هي في مكانٍ ما؟ فإن لم يكن لها مكانٍ انطلق أحد مُقاومينا اللُّدّ يقول: كيف يُمكِنُ إذن أن يكون لها وجود؟ فإن ما لا وجود له لا مكان له، وما لا مكان له لا يكون في الأغلب له وجود أيضًا. وإن كانت الألوهة في مكان -إذ هي موجودة- كانت إمَّا في الكلِّ، وإمَّا فوق الكلِّ. فإن كانت في الكلِّ كانت إمَّا في الجزء، وإما في جميع الأجزاء. وإن كانت في جزءٍ حدَّها هذا الجزء الذي هو أصغر من الكلِّ؛ وإن كانت في جميع الأجزاء حدَّها شيءٌ أكبر (أي أكبر مِمَّا يحدَّها عندما تكون في جزء)، شيءٌ كبيرٌ ومختلف عنها، أقول إنَّ الموسوع يحدُّه ما يَسَعُه، إذا كان لابد للكلِّ (أي الله) من أن يحتويه الكل (أي الكون)، وأن لا يكون مُنزَّهًا عن أن يكون محدودًا في مكان. هذا إذا كانت الألوهة في الكلِّ. وأين كانت قبل وجود الكلّ؟  ليس ذلك بالأمر اليسير في باب الصعوبة.]
االقدِّيس غريغوريوس النزينزي، عظة رقم ٢٨ (العظة اللَّاهوتيَّة الثانية - في اللاهوت)، فقرة ١٠. عن كتاب "الخطب ٢٧ - ٣١ اللاهوتيَّة القدِّيس غريغوريوس النزينزي"، تعريب الأب حنَّا الفاخوري، منشورات المكتبة البولسيَّة، صفحة ٤٩ و ٥٠. 

(٧) القدِّيس يوحنَّا الدمشقي، المئة مقالة في الإيمان الأرثوذكسي- الكتاب الأول، المقالة رقم ١٣ (في مكان الله وفي أنَّ الله غير محدود). تعريب الأرشمندريت أدريانوس شكّور ق ب، منشورات المكتبة البولسيَّة، صفحة ٧٨. 

(٨) القدِّيس يوحنَّا كاسيان، المؤسسات، الكتاب الثامن، الفصل الثالث والرابع. عن كتاب "القدِّيس يوحنَّا كاسيان .. حياته، كتاباته، أفكاره" للقمُّص تادرس يعقوب ملطي، صفحة ٤٨٤ في النسخة الإليكترونية.  

(٩) القدِّيس يوحنَّا الدمشقي، المئة مقالة في الإيمان الأرثوذكسي- الكتاب الأول، المقالة رقم ١١ (في الصفات الجسمانيَّة الـمَقولَة في الله). تعريب الأرشمندريت أدريانوس شكِّور ق ب، منشورات المكتبة البولسية، صفحة ٧٦.

(١٠) القديس غريغوريوس النزينزي، عظة رقم ٢٨ (العظة اللَّاهوتيَّة الثانية - في اللاهوت)، فقرة ١٣. عن كتاب "في اللَّاهوت للقدِّيس غريغوريوس النّزينزيّ الثيؤلوغوس (النَّاطق بالإلهيَّات)"، ترجمة وإعداد الرَّاهب القمُّص مرقوريوس الأنبا بيشوي، صفحة ١٨ و١٩ (بتصرُّف)، وكتاب "الخطب ٢٧ - ٣١ اللاهوتيَّة القدِّيس غريغوريوس النزينزي"، تعريب الأب حنَّا الفاخوري، منشورات المكتبة البولسيَّة، صفحة ٥٣ و٥٤. 

(١١) القدِّيس أمبروسيس، الكتاب الثالث عن الروح القدس، الفصل الثالث، فقرة ١١. ترجمة دكتور چورچ حبيب بباوي، إصدار مؤسسة القديس أنطونيوس المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، صفحة ١٦.

(١٢) القدِّيس أمبروسيس، الكتاب الثالث عن الروح القدس، الفصل الثالث، فقرة ١٤. المرجع السابق، صفحة ١٧.

(١٣) القدِّيس يوستينوس الفيلسوف والشهيد، الحوار مع تريفون اليهودي، فصل ٥٧. عن كتاب "القدِّيس يوستينوس الفيلسوف والشهيد .. الدفاعان والحوار مع تريفون ونصوص أخرى"، ترجمة الأستاذة آمال فؤاد، مراجعة دكتور چوزيف موريس فلتس، إصدار دار بناريون، صفحة ٢١٠.

(١٤) القدِّيس أغسطينوس، كتاب "الاعترافات"- الكتاب الثاني عشر.. تعريب الخوري يوحنا الحلو صفحة ٢٨٨ و٢٨٩.  

(١٥) القدِّيس غريغوريوس النيسي
Answer to Eunomius' Second Book. Nicene and Post-Nicene Fathers Series II Volume 5 Page 524.