Tuesday, 17 October 2017

المجيء الثاني لابن الله- بحسب أوريچينوس





أوريچينوس ... حجر أساس اللاهوت الشرقيّ عامةً، والسكندريّ بالأخصِّ.
كان الشغل الشاغل لهذا اللاهوتيّ العملاق، هو التعمُّق في الكلمة الإلهيَّة قدر المستطاع، وعدم بالاكتفاء بالتوقُّفِ عند الحرف، فالحرف لا يُشبِع جوع مَنْ يُترنمُّونَ مع المرنِّم:
«كَمَا يَشْتَاقُ الإِيَّلُ إِلَى جَدَاوِلِ الْمِيَاهِ، هكَذَا تَشْتَاقُ نَفْسِي إِلَيْكَ يَا اللهُ. عَطِشَتْ نَفْسِي إِلَى اللهِ، إِلَى الإِلهِ الْحَيِّ. مَتَى أَجِيءُ وَأَتَرَاءَى قُدَّامَ اللهِ» ... «تَشْتَاقُ بَلْ تَتُوقُ نَفْسِي إِلَى دِيَارِ الرَّبِّ. قَلْبِي وَلَحْمِي يَهْتِفَانِ بِالإِلهِ الْحَيِّ.» (مزمور ٨٤: ٢؛ مزمور ٤٢: ١، ٢). 


لذلك، يُؤكِّدُ  أوريچينوس أنَّ غايةَ تفسير النصِّ الإنجيليّ هي روحنة حروفه:
[المُهِمَّةُ التي نَحنُ بِصددِها الآن هي أنْ نُتَرْجِمَ الإنجيلَ المُدرَك حسيًّا إلى إنجيلٍ روحيّ. لأنَّه ماذا يكون تفسير الإنجيل المُدرَك بالحواسِّ سوى ترجمته إلى إنجيلٍ روحيّ؟ سيكونُ قليلًا أو لا شيء أبدًا، وإنْ كانَ عامَّةُ الناسِ يؤمنونَ بأنَّهم يَنالونَ ما يَظهرُ مِنْ المعنى الحرفيّ.] (1)

 هكذا، لَخَّصَ أوريچينوس -بنفسه- مسيرةَ حياتِهِ ومغزى كتاباتِهِ العبقريَّة، والتي تستحقُّ مزيدًا مِنَ الاهتمامِ في مجال الدراسات المسيحيَّة، وتلك التي باللغةِ العربيَّةِ على وجه الأخصِّ.

إنَّ ما نسعى لتسليط الضوء عليه هنا هو لمحة بسيطة جدًّا عن الرؤية اللاهوتيَّة العميقة التي لأوريچينوس تجاه مسألة المجيء الثاني للمخلِّص، وكيفَ ربطَ الإسخاتولوجي Eschatology بالحياة الحاضرة في ضوء فهمه العميق والمنفتح جدًّا للأسفار المُقدَّسة في الحياة الكنسيَّة. 


هل يأتي الملكوت في ميعادٍ أو زمنٍ  Timeمُعيَّن كما يأتي المطر مثلًا؟! وهل هو "حدث وقتيّ"؟!

[ربَّما كلّ فضيلةٍ هي ملكوت السموات، وجميعُهم معًا هم ملكوت السموات. وفقًا لهذا فإنَّ كلَّ يحيا حياةً فاضلةً هو حاليًا في ملكوت السموات؛ وتلك الكلمات: «تُوبُوا ، قَدْ اقْتَرَبَ مَلَكُوتُ السَّموات» (بشارة مُعلِّمنا متَّى ٣: ٢؛ ٤: ١٧) لا تُشيرُ إلى زمن أو وقت ولكن إلى الأفعال والميل الداخليّ. لأنَّ المسيحَ، الذي هو كليّ الفضيلة، قد أتمَّ مجيئَهُ وتكلَّم؛ بالتالي، فإنَّ ملكوتَ اللهِ هو داخل تلاميذِهِ ، وليس «هُنَا» أو «هُنَاكَ» (بشارة مُعلِّمنا لوقا ١٧: ٢١).] (2)



المجيءُ الروحيّ للكلمة إلى الذهن اليقظ

[«فاسهروا إذا، لأنكم لا تعلمون أي يوم يأتي ربكم» (بشارة مُعلِّمنا متَّى ٢٤: ٤٢). المسيحيُّون البسطاء قد يعتقدون أنَّهُ يتحدَّث مُشيرًا إلى مجيئِهِ الثاني. ولكن آخرون قد يقولون أنَّهُ يُشيرُ إلى مجيء الكلمة الروحيّ الآتٍ لأذهان تلاميذهِ، إذْ لَمْ يَكُنْ قد جاء إلى نفوسِهِم بعد، كما كان سيجيء فيما بعد... ولكن في هؤلاء اليقظينَ المستعدِّينَ، يأتي بيوم مجيئه إلى نفوسِ هؤلاء الذينَ استناروا بالنور الحقيقيّ الذي له هو، هو مَنْ يأتي إلى نفوسِهِم] (3)



هل مجيء الكلمة هو مجيءٌ مكانيّ أو جغرافيّ؟! كيف سيَفرِزُ المسيح الأبرار والأشرار؟! كيف سينكشف كلُّ شيءٍ في ضوء سطوع النور الحقيقيّ الغير المخلوق الذي لمُخلِّصِنا؟!

[علينا أيضًا أنْ نَضَعَ في الاعتبارِ ما إذا كان مجيء مُخلِّصُنا في المجدِ (بشارة مُعلِّمنا متَّى ٢٥: ٣١- ٣٢) سوفَ يَحْدُثُ مكانيًّا، أمْ أنَّهُ يَجبَ علينا أنْ نبحثَ عن تفسيرٍ آخر. فأين هو هذا المكان الضخم الذي يُمكِنُ أنْ يسعَ الكلَّ في نفس الوقت،كِلا كلُّ الملائكة الآتين مع المسيح وكلُّ الأمم والشعوب المجتمعين هناك؟! ...
أنا أؤمن أنَّ زمان مجيء المسيح سيأتي حينما يكونُ هناك استعلانٌ للمسيح ولألوهيَّتِهِ حتَّى أنَّهُ، ليسَ فقط لَن يستطيع أحدٌ مِنْ ضمنِ كلِّ الأبرار ألَّا يراه، بل وأيضًا ولا واحد مِنْ ضمنِ كلِّ الخطاةِ سيستطيعُ أنْ يفشلَ في معاينةِ المسيح «كَمَا هُوَ» (رسالة مُعلِّمنا يوحنَّا الأولى ٣: ٢)، حينما يُدرِكُ الخطاة خطاياهم في وجهِهِ (أي في وجه المسيح) والأبرار يَرونَ بوضوحٍ ما قادتهم إليه بذارُ صلاحِهِم. هذا هو معنى: «وَيَجْتَمِعُ لَدَيهِ جَمِيعُ الْأُمَمِ» (بشارة مُعلِّمنا متَّى ٢٥: ٣٢). فإنْ كانَ حاليًا، في الوقت الذي لا يُدرِكُ «الْجَمِيعُ» المسيح «كَمَا هُوَ»، وهؤلاء الذينَ يبدو عليهم معرفته لا يعرفونه بانفتاحٍ، ولكن فقط بالإيمان يأتون لدى وجهِهِ حينما يأتونَ لمعرفتِهِ مِنْ خلال الإيمان- كما هو مكتوب: «ادْخُلُوا إِلَى حَضْرَتِهِ بِتَرَنُّمٍ» (مزمور ١٠٠: ٢)- فكم بالأكثرِ سيكونُ حقيقيًّا أنْ يُقالَ أنَّ كلَّ الأمَمِ سيجتمعونَ ويُفْصَلونَ بواسطتِهِ عندما يكونُ مرئيًّا (ظاهرًا) لهم جميعهم: الأبرار وكذلك الاشرار، مَنْ لهم إيمان وكذلك مَنْ ليسَ لهم إيمان، مُستعلَنٌ بحسب أعين عقولِهِم وليسَ بإيمانِهِم ولا بجهادِهِم في العثور عليه، ولكن ببساطة استعلانه لهم بتجلِّي وسطوع ألوهيَّتِهِ!
إنَّ ابنَ اللهِ لَنْ يَظْهَرَ في أيّ مكانٍ مُعيَّنٍ عندما «يَأْتِي ابْنُ الْإِنْسَانِ فِي مَجْدِهِ» ... ولكن ... «مَجِيءُ ابْنِ الإِنْسَانِ يَكُونُ كَمَا الْبَرْقُ الَّذِي يَخْرُجُ مِنَ الْمَشْرِقِ وَيَلْمَعُ حَتَّى الْمَغْرِبِ» (بشارة مُعلِّمنا متَّى ٢٤: ٢٧)... وهكذا، فإنَّهُ سيكونُ في كلِّ مكانٍ، وسيكونُ في كلِّ ناحيةٍ في نظرِ الكلِّ، والكلُّ، في كلِّ مكانٍ، سيكونونَ في نظرِهِ... لذلك، فطالما أنَّ الأشرارَ مُشوَّشينَ وُمضطربينَ غير عارفينَ أنفسهم ولا المسيح، غارقينَ في ضبابِ الضلال، وطالما أنَّ الأبرار يرونَ «فِي مِرْآةٍ، كَمَا فِي لُغْزٍ» ويَعرفونَ أنفسَهَم فقط «بَعْضَ الْمَعْرِفَةِ» (رسالة مُعلِّمنا بولس الرسول الأولى إلى أهلِ كورثنوس ١٣: ١٢) وليسَ وفقًا لما هُم عليه بالحقيقةِ- فالأبرار ليسوا مفروزين عن الأشرار. ولكن حين يكونُ للجميع معرفة ذاتيَّة بواسطة استعلان ابن الله، حينئذ سيفرزُ المُخلِّص الأبرار عن الأشرار.] (4)

----------------------------------------------------------------------------------------------------------

References:
1) Commentary on the Gospel of John, Book I, Paragraph 45
2) Commentary on the Gospel of Matthew, Book XII, Chapter 14
3) Commentariorum Series (ancient Latin translation of the Commentary on Matthew),
Paragraph 59 
4) Commentariorum Series (ancient Latin translation of the Commentary on Matthew),
Paragraph 70














Wednesday, 22 February 2017

مدخل بسيط لفهم التدبير الإلهيّ



هل خطة الله في حياتي اني أسافر بره ولا أقعد جوه؟
هل خطة الله لحياتي هي اني أتجوز x ولا y؟
هل خطة الله لحياتي اني أبقى دكتورة ولا مهندسة؟

الحقيقة الله مالوش أي خطة في حياتك إلا خطة واحدة بس: 
«إِنَّ مَشِيئَةُ اللَّه إِنَّمَا هِي تَقْديسُكُمْ» (رسالة مُعلِّمنا بولس الرسول الأولى إلى أهل تسالونيكي ٤: ٣)،
أو زي ما بيقول الرسول في موضع تاني: 
«مُبَارَكٌ اللهُ أَبُو رَبِّنَا يَسُوعَ الْمَسِيحِ، الَّذِي بَارَكَنَا بِكُلِّ بَرَكَةٍ رُوحِيَّةٍ فِي السَّمَاوِيَّاتِ فِي الْمَسِيحِ، كَمَا اخْتَارَنَا فِيهِ قَبْلَ تَأْسِيسِ الْعَالَمِ، لِنَكُونَ قِدِّيسِينَ وَبِلاَ لَوْمٍ قُدَّامَهُ فِي الْمَحَبَّةِ، إِذْ سَبَقَ فَعَيَّنَنَا لِلتَّبَنِّي بِيَسُوعَ الْمَسِيحِ لِنَفْسِهِ، حَسَبَ مَسَرَّةِ مَشِيئَتِهِ ... إِذْ عَرَّفَنَا بِسِرِّ مَشِيئَتِهِ، حَسَبَ مَسَرَّتِهِ الَّتِي قَصَدَهَا فِي نَفْسِهِ، لِتَدْبِيرِ مِلْءِ الأَزْمِنَةِ، لِيَجْمَعَ كُلَّ شَيْءٍ فِي الْمَسِيحِ، مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا عَلَى الأَرْضِ، فِي ذَاكَ الَّذِي فِيهِ أَيْضًا نِلْنَا نَصِيبًا، مُعَيَّنِينَ سَابِقًا حَسَبَ قَصْدِ الَّذِي يَعْمَلُ كُلَّ شَيْءٍ حَسَبَ رَأْيِ مَشِيئَتِهِ، لِنَكُونَ لِمَدْحِ مَجْدِهِ، نَحْنُ الَّذِينَ قَدْ سَبَقَ رَجَاؤُنَا فِي الْمَسِيحِ» (رسالة مُعلِّمنا بولس الرسول الأولى إلى أهل أفسس ١: ٣- ٥؛ ٩-١٢).
التدبير الإلهي (أو الخطة الإلهية) الوحيدة في حياة الإنسان هي خلاصه وقيامته. الله بكل فرح وحب بيقدم لك حياته علشان تشترك فيها وتنال منها: 
«هَكَذَا أَحَبَّ اللهُ العالَمَ حتَّى وَهَبَ (جَادَ بِـ) اَبنَهُ الأوحَدَ، فَلا يَهلِكَ كُلُّ مَنْ يُؤمِنُ بِه، بَلْ تَكُونُ لَهُ الحيَاةُ الأبدِيّةُ. وَاللهُ أَرْسَلَ اَبنَهُ إلى الْعَالَمِ لَا لِيَدِينَ الْعَالَمَ، بَلْ لِيُخَلِّصَ بِه العالَمَ» (الإنجيل بحسب مُعلِّمنا يوحنَّا اللاهوتيّ ٣ :١٦- ١٧).
الرب يسوع لما صلى في جثيماني وقال: «وَلكِنْ لِتَكُنْ لاَ إِرَادَتِي بَلْ إِرَادَتُكَ» (الإنجيل بحسب مُعلِّمنا لوقا البشير ٢٢: ٤٢)، مكانش بيتكلم عن استسلام للخطة الإلهية الموضوعة عليه، لكن كانت طلب معونة من الآب –بحسب ناسوته- علشان يكمل التدبير الإلهي الموضوع من قِبَل الثالوث لخلاص البشرية. هي دي إرادة الآب والابن والروح القدس للبشرية، ان الإنسان يقدر يشترك في حياة الثالوث. ولأن الإنسان مخلوق من العدم، فطبيعته متغيرة وممكن تميل للشر بحسب حرية إرادته، وعمره ما هايوصل للخلود بدون الله أصل الحياة. علشان كده بنقول التجسد كان هايتم حتى لو آدم مكانش أخطأ، علشان حتى لو مكانش أخطأ عمره ما كان هايوصل للإتحاد الأبدي الكامل مع الله من غير تجسد، ولأن التدبير الإلهي مافيهوش رد فعل، فالتجسد مكانش رد فعل للخطية، ولا الخطية أربكت الخطة الإلهية تجاه الإنسان وخلت الآب يضحي بابنه علشان يرضي عدله وكرامته. نفهم من كده ان فداء المسيح كان من أجل حياة العالم مش من أجل إرضاء غضب الآب على البشرية أو علشان العدل الإلهي. تجسد الكلمة وموته وقيامته كانت من أجل موت الموت وقيامة الحياة فيك. خلاصك من الموت وتألهك هو إرادة الآب مش فعل بيتم رغمًا عنه، لأنه صالح ومش بيبخل على مخلوقاته بأي شيء (راجع: القديس أثناسيوس الرسولي، تجسُّد الكلمة ٣: ٣). القديس العظيم كليمندس السكندري بيقول:
[إنَّها مشيئةُ اللهِ أنْ نَبْلُغ معرفة الله، التي هي سبيلنا للخلود.] (المتفرِّقات، الكتاب الرابع، الفصل السادس)
[الإنسان يصير إلهًا لأنَّ الله يريد ذلك... الله صار إنسانًا والإنسان (أي الربُّ يسوع المسيح) هو الله، كوسيطٍ (بين الله والبشر) يُتمِّمُ إرادة أبيه] (الـمُربِّي، الكتاب الثالث، الفصل الأوَّل، الفقرة ٢)
إرادة الله ومشيئته اللي بنصليها في الصلاة الربانية (الإنجيل بحسب مُعلِّمنا متِّى البشير ٦: ١٠) واللي صلاها الرب يسوع في جثيماني (الإنجيل بحسب مُعلِّمنا لوقا البشير ٢٢: ٤٢)  مش دعوة للإستسلام والتراخي والتواكل والاعتماد على القدر الإلهي، لكن هي طلب معونة النعمة الإلهية في مواجهة العدم والشر والنمو نحو الله .. نحو الكمال والخلود والتأله.

خطة الله في حياتك هي انك تشترك فيه، وهو قام بالجزء الأكبر (المبادرة) من الخطة دي عن طريق انه:
١)     خلقك من حالة عدم الوجود، ومش بس كده، لكن أعطاك نعمة إضافية انك تكون على صورته. وكونك على صورته، هي إمكانية انك –بجهادك الشخصي- تكون على مثاله.
٢)    تجسد واتحد بك اتحاد أبدي غير قابل للإفتراق أو الإنفصال أو التغيير، وأعطاك قيامة وانتصار على الموت.
٣)    أودع فيك الروح القدس وجعلك شريك في الطبيعة الإلهية (رسالة مُعلِّمنا بطرس الثانية ١: ٤)، وبكده انت قادر تنتصر على أي قوة من قوى الشر وعلى الموت نفسه.
ولأن الله مش بيلعب بمجموعة دُمى وعرائس، فهو حابب انك تشترك معاه في الخطة بجهادك وحبك. الله كان ممكن يخلقك كامل من البداية، لكن ده يتعارض مع صلاحه وحبه لك واحترامه لحرية إرادتك، لأنه لو خلقك كامل فمعناه انه بيفرض عليك حبه وطاعته بالطبيعة والإجبار مش بالإختيار. انت شريك الله في خطته، مش كمجرد عبد أو مُنفِّذ لإرادة حد تاني.

نستنج من اللي اتقال ان:
سفرك أو قعادك اختيارك مش اختيار الله ...
جوازَك من فلانة أو جوازِك من فلان اختيارك مش اختيار الله ...
دراستك وشغلك اختيارك مش اختيار الله ...

الله داخل معاك في علاقة حب الهدف منها خلاصك، وكلمة علاقة = شركة إرادة بين اثنين بالحب لا الغصب. 
ان ارادتك تكون كإرادة الله معناه ان إرادتك تهدف نحو خلاص نفسك والاتحاد بالله- بمعنى ان إرادتك توافق الإرادة الإلهية، مش انك تلغي شخصيتك وإرادتك الحرة من أجل إرادة آخر (تسمع عن بدعة أوطاخي؟).
الله طبعًا يعرف كل شيء ويعرف المستقبل لأنه بالنسبة له حاضر وعلشان هو كلي المعرفة، مش لأنه كاتبه أو محضره كأنه فيلم أو مسلسل.
مافيش أجمل من قول العظيم جدا أوريجينوس أنهي به:
[إلَّا أنَّ علم الله السابق لا يَنبغي أنْ نَعتبِره سببًا لما يجري مِن أحداثٍ أو آثارٍ تتبَّع أعمالنا الحرَّة الناجمة عن انفعالاتنا الخاصَّة. لأنَّ علم الله السابق لا يعني سلب إرادة الإنسان أو التدخُّل في حريَّته. حتَّى لو افترضنا أنَّ الله لا يَعرِف ما سيَحدُث، فلا يسعنا رغم هذا إلَّا أنْ نختار أنْ نفعل هذا أو ذاك- ولكن كنتيجة لعلمه السابق، لابد للأعمال الإراديَّة التي تَصدُر عن الإنسان أن تتواءم وتتلاءم مع الترتيب والتنسيق الذي ينتظم الوجود جميعًا، حيث أنَّه ضرورة لازمة لوجود الكون أو الوجود كلّه] (على الصلاة الربانية، الفصل الثاني ، فقرة ٣)
 بنعمة الله، 

Wednesday, 21 September 2016

الاتَّحَادُ الزِّيجِيُّ الَّذِي سَبَقَ الْولَادَةَ مِنَ الرُّوحِ




في ملءِ الزمان، دَخَلَ اللاهوت إلى مخدع الزيجة التي سَتُغيِّر مسارَ التاريخ بأكمله، وسَتَعْتِق الإنسانَ مِن الإنزلاقِ نحو العدم الذي جاء منه وعَادَ إليه.  
دَخَلَ اللاهوت إلى مَعْمَلِ الاتحاد، حيث هيَّأَ الروح القدس المكان ونقَّاه استعدادًا لهذه اللحظة الـمُنتظرَة.  
دَخَلَ اللاهوت فوجَدَ خليَّة (Cell) الناسوت -عروسه- في انتظاره على أحرِّ من الجمرِ. 
دَخَلَ اللاهوت واحتضن عروسه وحبيبته، وقَبَّلها بقبلاتِ الرحمة والحنان والقبول، ثمَّ اتَّحد بعروسِه -كمثال اتحاد الرجل بالمرأةِ عاطفيًّا وذهنيًّا وجنسيًّا في عالمنا، وأودَع -اللاهوت- المعرفة الإلهيَّة في رحم الناسوت، حيث تمَّ الإخصابِ (Fertilization) بين المعرفة الإلهيَّة -الـمُودَعَة من لاهوت الكلمة- وبويضات الجهاد الإنسانيّ، تلك التي كانت تُنْـتَج مِنْ حينٍ للآخر بواسطة جهاز الإنسانيَّة التناسليّ -أي العقل البشريّ- على أملِ الإخصاب ونمو جنينًا إلهيًّا، يُمثِّل الإنسانيَّة الجديدة. ولكن، فقد كانت هذه البويضات تُقابِل في النهاية مصيرها وهو الموت، وتُطرَح خارج الجسدِ بنزيفٍ مُؤلمٍ، كمثال دورة المرأة الشهريَّة (Menstrual Cycle) في عالمنا.

حقًّا كان الناسوت الـمُتهالِك -بسبب الخطيَّة وفسادها- يَنْتَظِرُ تلك اللحظةِ التي يَــتَّحِدُ فيها بخالقه اتحادًا أبديًّا لا يَقْبَل الانفصال أو الافتراق، فيُغرِّدُ مرَّة أخرى في سماءِ الحياةِ الإلهيَّةِ في الفردوسِ بعدما سَقَطَ تحت سلطانِ المادة، وصار عاملي المكان والزمان هما أشدّ أعداءه وأكبر مصادر لخوفه ورعبه وارتباكه، ففي عالمه كلاهما مرتبط بالموتِ ارتباطًا وثيقًا.  
لقد كانت البشريَّةُ غارِقَةٌ في طوفان فسادِها وتحتَرِق من نارِ وكبريتِ خطاياها. فقد حلَّت السرقةُ محلَّ العطاءِ، وحلَّ الزنى محلَّ الحبِّ، وحلَّ الظلمُ محلَّ العدلِ، وحلَّ القتلُ محلَّ الشفاءِ. 
لقد حلَّ الشرُّ محلَّ الله في قلبِ الإنسانِ، ولذلك حلَّ الموتُ محلَّ الحياةِ.  
ولهذا، فقد فَشِلَت المعرفة الـمُجرَّدة في إخصابِ البويضات، كما فَشِلَت القوَّة، وفَشِلَ التَسلُّط، وفَشِلَ كلُّ ما ظنَّ به الإنسان أنَّه سَيَصير إلهًا خالدًا، مُتَساميًا فوق الموتِ والفسادِ. 
لقد كانت كلّ محاولات الإنسان لخلق آلهةٍ له ما هي إلَّا محاولة لإخصابِ بويضات جهاده لولادة الإنسان الجديد، كاهن الخليقة والشبيه للطبيعة الإلهيَّة، أو بمعنى آخر، كمحاولة لاغتصابِ الألوهةِ. ولكن، لقد كانت تلك الآلهة مُصَابة بالعقمِ، ولم تُحرِّر الإنسان، بل أوقعته بأكثرِ قسوةٍ وإحباط داخل حيِّز العبوديَّة. 

ظنَّ البشرُ بأنَّ السقوطَ الشنيعَ مِنْ جنَّةِ عَدْن كان بمثابةِ نهايةِ قصَّتهم المأسويَّة، وأنَّ به تلاشت فرصتهم الوحيدة للظفرِ بالخلود الكامن في عمقِ الألوهةِ. وصار أقسى طموحهم هو أنَّ يَبُلَّ أحدٌ طرفَ إصبعه ليُبرِّد النارَ الـمُشْتَعِلَةَ في حلقِهم، هذا الذي صارَ جافًا مِنْ شدِّةِ اللهيبِ وكثرةِ الصرير. ولكن حتَّى تلك الـمُنْيَة قُوبِلَت بالإجهاضِ لأنَّهم ظَنُّوا أنَّ الهوَّة العظيمة الكامنة بينهم وبين خلود اللاهوت ونعيمه لا يستطيع أنْ يَعبُرها أحدٌ قط (إنجيل لوقا ١٦: ٢٤، ٢٦). وما هي تِلك الهوَّة العظيمة سوى إتمام موت العتيق، وإحياء الجديد في الإنسان. أي أنَّ هذه الهوَّة كانت تجديد الخليقة بأكملها، وهو ما يُعَدُّ خارِج إمكانيَّات البشر أجمعين، فليس واحدٌ منهم لديه القوَّة والقدرة ليَخْلِق ويُجدِّد. لذلك، فقد تَعَطَّف الحَمَلُ الـمَذْبوح-الأسدُ الغالب الخارج مِن سبطِ يهوذا (رؤيا ٥: ٥، ٦)، وعَبَرَ الهوَّةَ، آتيًا إلينا في جحيمِنا، ليتَّحدَ بناسوته. ليس فقط ليُبطِل الموتَ الـمُتَسَلِّطَ علينا، بل بالحريّ ليُعطينا حياته، في ذاته. 


وبعدما تمَّ الإخصاب بين ما هو إلهيّ وما هو بشريّ، تكوَّن ونَـمَا في المخدع رأس الإنسانيَّة الجديدة، بكرُ خليقتنا الجديدة، والأخُ الأكبر لنا وقائدنا، ابن الله وابن الإنسان، نِتَاجُ اتحاد الحبّ والصلاح الإلهيّ بالعالم المخلوق والمادة المائتة: يسوع المسيح، وصار بجسده وارثًا ما هو للاهوته فصار ناسوتًا جديدًا، مُمَجَّدًا ومُؤلَّهًا، على صورةِ الله ومثاله بشكلٍ واضح.

إنَّ هذه العمليَّة ليست عمليَّة تاريخيَّة وحسب، تمَّت وانتهت في لحظةٍ ما، بل هي تعلو فوق الزمانِ ولازالت في حدوثٍ مستمرٍّ غير مُنقطِعٍ. 
فَمِثلما حَدَثَ مع الإنسان يسوع المسيح في مخدع العذراء من اتحاد اللاهوت بالناسوت، يحدث معنا ولنا في مياه المعموديَّة (بالنعمةِ وعلى قدرِ استطاعتنا)، فيُهيِّئ الروح القدس المخدع في رحم الكنيسة ويُقدِّس الماء، حيث يحلّ اللاهوت ويَتَّحدُ ببويضات الكنيسة، ويأتي منها بأولادًا له على صورة الله، مُمَجَّدين ومعتوقين من الأسرِ للزمانِ والمكانِ. 
فبعد أنْ كان كلٌّ مِنَّا يَصْرُخ: «ملعون اليوم الذي وُلِدت فيه، اليوم الذي ولدتني فيه أمي لا يكن مباركًا» (أرميا ٢٠: ١٤)، ونئنُّ قائلين: «إنِّي في الإثمِ ولِدت وفي الخطيئة حبلت بي أمي» (مزمور ٥١: ٥)، صرنا نُولَد بشرًا سمائيِّين من اللاهوت بالروح القدس (إنجيل يوحنَّا ٣: ٥، ٦؛ رسالة يوحنَّا الأولى ٣: ٩)، وحُبِلَ بنا بالنعمة والحقِّ (إنجيل يوحنَّا ١: ١٢- ١٧) بقيامة الربّ من بين الأموات، لميراثٍ لا يفنى ولا يتدنَّس ولا يضحمل (رسالة بطرس الأولى ١: ٣، ٤). 
  
ينبغي أيضًا أن نُدرِك أنَّ الولادة من الماءِ والروح ليست فقط مُقْتَصِرَة على الإتحاد الزيجي الذي تمَّ بين اللاهوت والناسوت في عمليَّة التجسُّد، بل أيضًا تَشْمَل الشركة في موتِ الربِّ وقيامته والاستعداد للصعودِ فيه ومعه وبه إلى الآب. هذا يبدأ في مياهِ الأردن، ويَتَـثَـبَّت بالميرون الـمُقدَّس، ويتأصَّل ويتمُّ بالشركة في جسدِ الربِّ ودمِه. 
بالتناولِ من جسده نصير أعضاء جسده، من لحمه ومن عظامه، ولأنَّنا صرنا أعضاء جسده الـمُقدَّس، يَجِب أن يسري دمه فينا، ليُغذَّي كلَّ عضوٍ فينا بما يحتاج من غذاءٍ وتقويةٍ، وليخلَع عنَّا المواد السامة ومخلَّفاتِ الخطيَّة الفاسدة.
  
علينا أنْ نَفْهَم ونُدرِك هذا السرّ  ليس كما لو كان رمزيًّا أو خياليًّا، بل على أنَّه واقع حيّ وحقيقيّ (وغير حرفيّ بالطبع في ذات الوقت)، أي نفهمه سرائريًّا. نعم نحن نشترِك في حياة الربِّ يسوع بكلِّ ما تمَّ فيها، ونَتَخطَّى حدودَ المكانِ وحاجز الزمان لِنَكُونَ فيه ونُشارِكه كما شَارَكنا.
  
فإنْ كان كلّ من فِعل التجسُّد والفداء والقيامة هو مُجرَّد حدثًا تاريخيًّا تمَّ في مرحلةٍ زمنيَّة مُعيَّنة في شخصٍ واحدٍ فقط وانتهى، لكان بِلَا فائدة ولا انتفعنا مِنْهُ شيئًا، ولا نُلنا الخلاص الـمُعَدُّ قبل تأسيس العالم!!  
بينما، في الواقع الروحيّ والبُعد السرائريّ، نَرَى كلَّ فعلٍ في ذاته على أنَّه حركة دينمايكيَّة (Dynamic) مجانيَّة يَمتدُّ مفعولها فوق الزمن ويَصِلُ لكلٍّ منَّا بواسطة اتحادنا بالمسيح وشركتنا فيه، إذ قد جَمَّعنا جميعًا فيه وبذر نفسه في كلِّ واحدٍ منَّا بطريقةٍ سرائريَّة -أي بواسطةِ تناول جسده المقدَّس ودمه الكريم، فصرنا مِنْ نفس الجسد والدم وتَثبَّتنا كأغصانٍ في الكرمةِ الحقيقيَّة، وصرنا أيضًا من نفس طبيعتها المجيدة الغير قابلة للفساد.  

إنَّ التاريخ والزمن لا تأثير لهم إطلاقًا في شفاءِ كيان الإنسان الفاسد، بينما قُبول تبني الآب وشركة لاهوتيَّة الكلمة واقتناء نار الروح القدس يَنقِل الإنسان مِنْ الترابِ إلى السماءِ مُرتَديًا ثوبًا جديدًا ناصعًا، هو ثوب اللاهوت.  
هكذا، بشركتنا في طبع الكلمة الـمُتَجَسِّد كابنٍ وإله، نَخلَعُ عنَّا العتيق ونصير مُشارِكين في الحياةِ (الثالوثيَّة) الإلهيَّة.

لقد اخْتَرَقَ غير الـمَخلوق (الكلمة) الـمَخلوق (الزمان والمكان) ليَقضي على العدمِ (الموت) وبذلك هَدَمَ كلَّ أبعادِ الخوفِ التي تُهدِّدُ حياةَ الإنسانِ، وثَـبَّتَ فيه عَدم الفسادِ (الحياة الإلهيَّة التي لا تَفنى)، فَنُلنا - فيهِ وَمِنْهُُ وَبَهِ وَلَهُ- كيانًا وَوجُودًا غَيْرَ زَمَنِيٍّ، غَيْرَ مَوضِعِي وَغَيْرَ مَائِتٍ.  
فَلْنَشْتَرِكُ إذن في فِعْلِ التَجسُّدِ وفِعْلِ الفداء وفِعْلِ القيامة عن طريق الاشتراك السرِّي والـمُقدَّس في الإفخارستيا الـمُحييَّة، ولنحاول -على مدى حدود اتساع إدراكنا وعلى قدر عقلنا المحدود- أنْ نُدرِك نقطة التقاء الفعل الذي تمَّ في الماضي (تاريخيًّا) بالفعلِ الذي يتمُّ في الحاضرِ (سرائريًّا)، بل بالحري الفعل الذي يَقِف أمامه الزمن (المخلوق) مُتَحيِّرًا كيف يُؤَرِخُ بِدء زمانه ويَحُدَّ زمان انتهاءه.  




Wednesday, 3 August 2016

آدم هذا كان ميِّتَا فعاش، وكان ضالًّا فَوجِد .. تأملات سريعة في مثل الابن الضال



مُقدِّمة:


حقًّا يَعكسُ مَثَلُ الابنِ الضالِّ قصَّةَ البشريَّة مع اللهِ، والمثلُ هو تكملةٌ رائعة لقصَّةِ آدم وحوَّاء الغير مُنْتَهِية. لقد توقَّفت قصَّة آدم وحوَّاء عند السقوط، وبقى الإنسان في حيرةٍٍ مِنْ أمره، الذي تسبَّب هو نفسه في حدوثه. فجاءَ مثلُ الابنِ الضالِّ شارحًا بقوَّةٍ ووضوحٍ العلاقة الإلهيَّة-الإنسانيَّة على مدى التاريخ البشريّ.

وسنعقِد مُقارنة مُختَصرة بين القصَّتينِ مع بعض التأمُّلات في الأحداث (وحاول عزيزي القارئ أنْ تربط بين الآيات التي لها نفس اللون).. 


تمرُّد الإنسان على الله:

«كان لرجل ابنان. فقال أصغرهما لأبيه: يا أبت أعطني النصيب الذي يعود علي من المال. فقسَّم ماله بينهما. وبعد بضعة أيام جمع الابن الأصغر كل شيء له، وسافر إلى بلد بعيد، فبدَّد ماله هناك في عيشة إسراف» (لوقا ١٥: ١١- ١٣). 
«وكانت الحية أحيل جميع حيوانات الحقول التي صنعها الرب الإله. فقالت للمرأة: «أيقينًا قال الله: لا تأكلا من جميع أشجار الجنَّة؟» فقالت المرأة للحيَّة: «من ثمر أشجار الجنَّة نأكل، وأمَّا ثمر الشجرة التي في وسط الجنَّة، فقال الله: لا تأكلا منه ولا تمساه كيلا تموتا». فقالت الحيَّة للمرأة: «موتا لا تموتان، فالله عالم أنكما في يوم تأكلان منه تنفتح أعينكما وتصيران كآلهة تعرفان الخير والشر». ورأت المرأة أن الشجرة طيبة للأكل ومتعة للعيون وأن الشجرة منية للتعقل. فأخذت من ثمرها وأكلت وأعطت أيضًا زوجها الذي معها فأكل» (تكوين ٣: ١- ٦). «فأخرجه الربُّ الإله مِن جنَّةِ عدن» (تكوين ٣: ٢٣).

لقد اختار الإنسانُ لنفسه الموتَ دون الحياة، ففصل المخلوق مِنَ العدم (أي الإنسان) نفسه عن مصدر وجوده، فكان موته حتميًّا. السمكة التي تخرج مِنَ الماءِ تموت، لأنَّه في الماءِ يُوجَد ما تستمدُّ منه حياتها، تمامًا كما المريض الـمُحتاج للأكسجين (Oxygen) إذا فَصَلَ عن نفسه المصدر فإنَّه يموتُ في الحال. 
فالله لم يُهلِك الإنسان ولا أماته، لا فهو كلِّيّ الصلاح، بل الإنسان هو مَنْ أتى بالفساد على طبيعته، وأدخلَ عُنصرَ الخطيَّة إلى طبيعته النقيَّة فتلوثت، وظلَّت تتآكل بالخطيَّة وتُفسَد بالشرِّ حتى أصبحت متهالكة وعُرضة للموت.  
لم يُذكَر في مثل الابن الضال أنَّ الأب طرد الابن مِنَ البيت، ولكن ما حدث كان أنَّ الابن نفسه هو مَنْ ترك المنزل وسافر بعيدًا بكامل إرادته الحرَّة، أمَّا في سفر التكوين فيذكر الكاتب أنَّ الله «أخرجه من جنَّةِ عدن». هذا لا يَعني إطلاقًا أنَّ الله قد عاقب الإنسان بالطرد عقابًا انتقاميًّا، ولكنَّه نَفَّذ حُكمَ الطردِ على الإنسان، الذي أعلنه الإنسان فعليًا حينما أراد أنْ يتألَّه بالمعرفة بعيدًا عن الله ورفض التّدرُّج في الكمال حتى يَصلَ للألوهة الحقَّة النقيَّة. 
لِقَد أراد الابن نصيبه في الميراث فقسَّمه أبوه وأعطاه إياه وتركه يُسافر بعيدًا بمحض إرادته الخاصَّة، وأراد الإنسان في آدم التألُّه بمجهوده الخاصِّ بعيدًا عن الله وبدونه، فأخرجه الربُّ الإله مِنْ جنَّة عدن (كلمة "عدن" تعني النعيم) تاركًا إياه يخضع لهواه ولاختياره الشخصيّ، مُحتَرِمًا الحريَّة التي خلقه عليها. 


محاولة فاشلة للرجوع -بالقوَّة الذَّاتيَّة- إلى الحالةِ الأولى:


«فلما أنفق كل شيء، أصابت ذلك البلد مجاعة شديدة، فأخذ يشكو العوز. ثم ذهب فالتحق برجل من أهل ذلك البلد، فأرسله إلى حقوله يرعى الخنازير» (لوقا ١٥: ١٤، ١٥). 
«فانفتحت أعينهما فعرفا أنهما عريانان. فخاطا من ورق التين وصنعا لهما منه مآزر» (تكوين ٣: ٧). 

مُسكينٌ هو الإنسان!! يَظنُّ أنَّ ببعض أوراق التِّينِ يُمكِن أنْ يَستُرَ نفسه ويداري عُريه، أو أنَّه بوظيفة كرعاية الخنازير يُمكِن أن يُعوِّض أكوام المال التي نالها من أبوه وأنفقها على ملذَّاته!!  
لو كان العُري المقصود في القصَّة هو عري الجسد، لكان ورق التِّين جديرًا بالثقة في ستر الجسد، ولكن الأمر ليس كذلك، بل إنَّه عُري الإنسان -المخلوق مِنَ العدم- مِنْ نعمةِ الله وَمِنْ مجده، هذا هو العُري الحقيقيّ الذي لا يُمكِن أنْ يُستَر بأيّ شيء آخر مهما كان. 
آهٍ مِنْ شدِّة غباء الإنسان! لقد ظنَّ هذا الشقيّ أنَّ أوراق التين يُمكِنها أنْ تستبدل عمل النعمة الإلهيَّة في ستر الجسد مِنْ ضرباتِ الشرِّ ومن لدغاتِ الحيَّةِ. 
آهٍ لِقَد هَبَطَ الإنسان إلى أدنى حالات الوسخ والقذارة بمعاشرته للخنازير، تَلَطَّخ وتَوَسَّخ وبدأت صورة أبيه الجميلة -التي فيه- في التشوُّه مِنْ كثرة قاذورات الخنازير، وصار وجهه مُعتمًا بعد أنْ كان مُستنيرًا بفضل خير أبيه، وصارت رائحته كريهة بعد أنْ كان يتطيَّب بعطور وروائح أبيه العطرة الفائقة الجمال، وصارت ملامح وجهه عابسة بعد أنْ كانت تَشعُّ بالفرح والابتهاج في بيت أبيه. 
آه أيها الإنسان الشقيّ! تركت النعيم الأبدي من أجل ملاذ وحريَّة وهميَّة ووقتيَّة أخضعتك تحت نير الخنازير. الويل لك أيها الشقيّ البائس.  

هكذا أحبَّ الله آدم (العالم):


وظلَّت البشريَّة تائهة، شاردة، مُتخبِّطة، فاقدة الأمل وعلى رجاءٍ وأمل في نفس الوقت، تضع قدميها على طريق الرجوع تارةً، وتارةٌ أخرى تَنْزَلِقُ بعيدً عن الطَّريقِ في الإتجاة الـمُعاكِس تمامًا. وعندما قّرَّرَ الإنسانُ العودة، عاد ولكن على أملِ أنْ يكونَ مُجرَّد عبدًا في بيتِ أبيه كأقصى طموحٍ ورضا. وأخضع نفسه تحت نيرٍ ثقيل (هو الناموس) وظلَّ يَتَحَامَل على نفسه شيئًا فشيئًا لأنَّه يُؤمِنُ تمام الإيمانِ بأنَّه لَنْ يرتفع فوقَ قامةِ العبدِ، وكعبدٍ لابدَّ وأن يُقيَّد بقيودٍ ثقيلةٍ، تُحِدُّ صعودَه نحو تألُّهِهِ. 
كان هذا هو فكره، لأنَّ رؤيته لأبيه كانت رؤيةٌ مُشوَّهة وغير ناضجة، رؤيةٌ ترى في الأب غليلًا وانتقامًا يَنْتَظِرُ مَنْ يُخطئ حتَّى يَصبُّ عليه جاماتَ غضبه ويُلحِق به أشدَّ العقاب لأنَّه تَعدَّى وصيَّته! نعم، لقد كانت هذه هي نظرة العهد القديم نحو الله. فهل كانت هذه الرؤية واضحة وكاملة؟

«أقوم وأمضي إلى أبي فأقول له: يا أبت إني خطئت إلى السماءِ وإليك. ولست أهلًا بعد ذلك لأن أدعى لك ابنًا، فاجعلني كأحد أجرائك» (لوقا ١٥: ١٨، ١٩).  


عندما رآه أبوه قادمًا مكسورًا ومُحطَّمًا وبائسًا، لا يرى في نفسه سوى مجرَّد عبدٍ، يُحاول التَمرُّن على الكلمات التي رتَّبها ليُرضي بها -حسب ظنُّه- كرامة أبيه المجروحة وغروره، ويُقوِّي نفسيَّته على تَحمُّل نظرات الشماتة والإستهزاء مِنْ أبيه، وبالتبعيَّة مِنْ جميع مَنْ في البيتِ. ولكن على غير الـمُتوقَّع تمامًا، لم يَتَحمَّل هذا الأب الصالح أنْ يَترك هذا الابنُ العائدُ يَصِلَ إلى البيت بهذه الحالة، بل في ردِّ فعلٍ عجيب ومُدهِش، بادَر هو وجرى نحوه إلى نحو منتصف الطريق ليأخذ بيده ويرفع مِنْ معنويَّاته ويؤكِّد له بقوَّةٍ أنَّه لايزال المحبوب الأوَّل، وأنَّه سيدخل البيت كابنٍ وارثٍ لا كمجرَّد عبدٍ.  



«وكان لم يزل بعيدًا إذ رآه أبوه، فتحركت أحشاؤه وأسرع فألقى بنفسه على عنقه وقبله طويلاً… وقال الأب لخدمه: أسرعوا فأتوا بأفخر حلة وألبسوه، واجعلوا في إصبعه خاتمًا وفي قدميه حذاءً» (لوقا ١٥: ٢٠، ٢٢). 


هنا نرى تجسُّد الكلمة وتجلَّي الثالوث في حياة البشريَّة بمنتهى الوضوح. فالآب عندما رأى البشريَّة تئنُّ، أسرع وألقى بنوره الذاتي وكلمته (اللوجوس) وقبَّل البشريَّة بقبلاتِ الرحمة والحبِّ والقبول. 
نزول الأب العطوف مِنْ بيته هو تجسُّد الكلمة عينه. 
حضن الأب لابنه، هو رمز لاتحاد اللاهوت بالناسوت، الله بالبشريَّة الضائعة الهاوية. لَمْ ينتظر الله مِنَ البشريَّة أنْ تأتي إليه، ولكن أسرع هو نحوها بشغفٍ ومشاعر أبويَّة تُثير الدهشة، بل وألبسها أفخر حُلَّة، والتي بلا شكٍّ ترمز للروح القدس الحامل الحياة الإلهيَّة، الذي ألبسه الكلمة بتجسُّده للبشريَّة، والذي به هو نفسه نَلْبِس الربَّ يسوع، فنخلع عنَّا الموت ونلبس عدم الفساد (كورثنوس الأولى ١٥: ٥٤). 
والخاتم هو العلامة الملوكيَّة الـمُميِّزة للابن كوراث وكعضو في المنزل، وهو رمز لدم المسيح المطبوع على جباهنا، علامة الخلاص والنُصرة على الموت الذي سحقنا قبلًا.  
خروج الأب مِنَ البيت ليس هو تجسُّد الكلمة وحسب، بل هو أيضًا السير مع البشريَّة في طريق العودة إلى المنزل بالكرامة التي ترك بها المنزل أوَّلًا، بل وأعلى منها. هذا الذي كان مِنَ المستحيلِ إتمامه لولا خروج الأب ودخوله حاضنًا ابنه المحبوب. 
خروجه ورجوعه بابنه، هو موته حاملًا البشريَّة في شخصه، وقيامته بكل البشريَّة الـمُنجمعِة فيه، وصعوده أيضًا بالبشريَّة المتَّحدة به بلا افتراق إلى المنزل (أي الملكوت) للتمتُّع الأبدي، والذي من غير الـمُمكِن أنْ يفترِق إلى الأبد. 
حقًّا سيفرح بنا الله أمام ملائكته قائلًا: 

«البشريَّة هذه كانت ميِّتة فأحيِّيتُها، وكانت ضالَّة فَوجدتُّها»

  

بنعمة الله،