Saturday, 25 August 2018

أنت أعظم من السماء- في تعليم العظيمين أوريجينوس وذهبيّ الفم




الطبيعة الإلهيَّة ليسَ لها جسد؛ الله لا يسكن في مكانٍ ماديّ جغرافيّ يُدعى السماء، بل يسكن ‏في قلب الإنسان:‏
‏[غير الروحيِّين الذين لا معرفة لهم باللاهوت، إنْ قَرَأَ هؤلاء في الأسفارِ الإلهيَّة أنَّ: «السَّمَاءُ ‏عَرْشِي وَالْأَرْض مَوْطِئ قَدَمِيَّ» (أشعياء ٦٦: ١)، ‏‏يتصوَّرونَ أنَّ الله إلى هذا الحدِّ تَصِل ضخامة ‏جسده حتَّى أنَّهم يفهمون أنَّهُ يجلسُ في السماءِ ويَمدُّ ‏قدميهِ حتَّى الأرضِ.
ولكنَّهم يُفكِّرون هكذا لأنَّهم لا يَملكون تلك الآذان التي تستطيع بجدارِة (وتمييز) أنْ تَسْتَمِعَ ‏‏إلى الكلماتِ الإلهيَّة المكتوبة عن الله في الأسفارِ المُقدسَّة.
لأنَّ عبارة «السَّمَاءُ عَرْشِي وَالْأَرْض مَوْطِئ قَدَمِيَّ» تُفْهَم ‏بجدارةٍ عن الله على النحو الآتي: أنْ نعرفَ نحنُ أنَّ الله يرتاح ويُقيم في هؤلاء الذين «مَوْطِنُهُمْ فِي السَّمَاءِ» (فيليبي ‏‏٣: ٢٠).
أمَّا في حالة هؤلاء الذين لايزالوا منشغلين بالأرضيَّات، فالجزء الأبعد مِنْ عنايتِهِ ونعمتِهِ هو ما ‏يُوجَد فيهم، وهو ما يُشار إليه رمزيًّا بقدميهِ.]‏
‏   العلَّامة أوريچينوس‏، العظة الأولى على سفر التكوين، فقرة ١٣ ‏ ‏
‏--------------------------------------------------------------‏
‏ ‏
الصلاة تُزيِّن الإنسان جاعلةً إيَّاة سماءً لله:‏
‏ ‏[البشر هُم هياكل المسيح. فكما تُصنَع بيوت الملوك بالذهب والأحجار الكريمة والمرمر، هكذا ‏الصلاة تصنع هياكل المسيح. يقول الرسول بولس: «لِيَحِلَّ ‏الْمَسِيحُ بِالإِيمَانِ فِي قُلُوبِكُمْ» (أفسس ‏‏٣: ١٧). وأيّ مدح تُمدَح به الصلاة أعظم مِن أنَّها تصنع هياكل الله؟  هذا الذي ‏لا تسعه ‏السموات يأتي ويسكن في النفس بالصلاة. «السَّمَاوَاتُ كُرْسِيِّي، وَالأَرْضُ مَوْطِئُ قَدَمَيَّ. أَيْنَ ‏الْبَيْتُ الَّذِي تَبْنُونَ لِي؟ وَأَيْنَ مَكَانُ رَاحَتِي؟» (أشعياء ‏‏٦٦: ١).]‏
‏ القدِّيس يوحنَّا ذهبيّ الفم‏، عظة على الصلاة
‏--------------------------------------------------------------‏
‏ ‏
ما الذي يجعلني مهتمَّا ومنشغلًا بالصعود إلى السماء إنْ كنتُ أنا نفسي سأصيرَ سماءً؟ ‏
‏[يُقال عن الله أنَّهُ في السماء (‏Heaven). ما السبب وراء ذلك؟ ليسَ لأنَّهُ محدود  بحيِّزٍ أو ‏مساحة، حاشا، ولا كأنَّهُ قد ترك الأرض مقفرَّة ومُعدَمة مِنْ وجودِهِ، ولكن بحسب علاقتِهِ وألفته ‏بالملائكة.
فإنْ كنَّا على مقربةٍ مِنَ اللهِ، فنحنُ إذًا في السماء.
فما الذي يجعلني مُهتمًّا ومنشغلًا ‏بالصعود إلى السماء إنْ كنتُ أرى ربَّ السماء ذاته، وإنْ كنتُ أنا نفسي سأصيرَ سماءً؟ لأنَّهُ ‏يقول: ‏«إِلَيْهِ نَأْتِي‏‏»‏ أنا والآب، ‏«وَعِنْدَهُ نَصْنَعُ مَنْزِلاً‏‏»‏ (يو ١٤: ٢٣).
فلنجعل أرواحنا سماءً، إذًا... لقد قلتُ سابقًا أنَّهُ يُمكننا أنْ نُصبحَ سماءً؛ إلَّا أنَّني أرى أنَّهُ ‏يُمكننا أيضًا أنْ نكونَ أعظم مِنَ السماء. كيف؟ حينما نحوزُ على الربِّ...
فكيف إذًا يُمْكِن لِمَنْ يَمشي على الأرضِ، أنْ يرتفعَ إلى هذا العلوّ؟... أقصد هؤلاء الذين هم ‏مثل القدِّيس بولس على سبيل المثال، بالرغم مِنْ أنَّهُم كانوا على الأرضِ، إلَّا أنَّهم عاشوا في ‏السماء. لماذا أقول "في السماء"؟ لأنَّهم كانوا أعلى مِنَ السماءِ، وصعدوا عاليًا إلى الله نفسه... فهل ‏رأيتم كيف ارتقى ذهن الرسول بولس عاليًا؟]‏
‏  القدِّيس يوحنَّا ذهبيّ الفم، العظة رقم ١٦ على الرسالة إلى العبرانيِّين، فقرة ٧ و٨ و٩‏
‏--------------------------------------------------------------‏
‏ ‏
الأرضَ لَنْ تُصبح أرضًا فيما بعد لأنَّ الكلَّ سيصيرَ سماءً: ‏
‏[حينما يُعلِّمنا المخلِّص أنْ نُصلِّي لأجل أنْ تَتِمُّ مشيئةُ الآب «كما في السماء كذلك على الأرض»، ‏فإنَّهُ لا يوصي بالصلاة مِنْ أجلِ مَا هو مكانيًّا (جغرافيًّا) «على الأرض» ليكون مثل ما يوجد في ‏المواضع السمائيَّة، ولكنَّه بالأحرى، بالشرح الذي أعطانا إيَّاه عن الصلاةِ، يريد كلَّ ما «على ‏الأرض»... أنْ يكونَ «سماءً‏»‏. 
فالإنسان الذي يُخْطئ، أيًّا كان موضعه (المكانيّ/الجغرافيّ)، هو «أرض» .. أمَّا مَنْ يعمل إرادة الله ‏ولا يعصى الوصايا الروحيَّة، فهذا «سماء‏»‏... 
لذلك، فإنْ كانت مشيئة الله تّتِمُّ «على الأرض كما في السماء»، فإنَّ «الأرضَ» لَنْ تُصبح «أرضًا» ‏فيما بعد لأنَّ الكلَّ سيصيرَ «سماءً».]‏‏ ‏
العلَّامة أوريجينوس، على الصلاة: الفصل ٢٦، فقرة ٦ ‏
‏--------------------------------------------------------------‏
‏ ‏
‏ ‏
‏ بنعمة الله، ‏
چورچ نسيم سامي ‏
‏ ‏
 ‏ ‏


Thursday, 5 April 2018

الصليب: الصورة الأكثر وضوحًا لمجد الله- ‏ بحسب شرح العلَّامة أوريجينوس




قبل أنْ تبدأ عزيزي القارئ وعزيزتي القارئة، أرجو أنْ تقرأوا هذا النصَّ البولسيّ الشهير بتركيزٍ شديدٍ، وبعد أنْ تنتهوا مِنْ قراءة هذه المقالة الصغيرة، أدعوكم أنْ تقرأوه مُجدَّدًا وتشعرون بالفارق الشديد بين المرَّتين.
النصُّ الذي أقصده هو مِنْ رسالة مُعلِّمنا القدِّيس بولس إلى أهل فيلبِّي، حيث يقول الرسول:


‏«فَلْيَكُنْ فِيكُمْ هذَا الْفِكْرُ الَّذِي فِي الْمَسِيحِ يَسُوعَ أَيْضًا:‏ الَّذِي إِذْ كَانَ فِي صُورَةِ اللهِ، لَمْ يَحْسِبْ خُلْسَةً أَنْ يَكُونَ مُعَادِلاً للهِ. ‏لكِنَّهُ أَخْلَى نَفْسَهُ، آخِذًا صُورَةَ عَبْدٍ، صَائِرًا فِي شِبْهِ النَّاسِ.‏ وَإِذْ وُجِدَ فِي الْهَيْئَةِ كَإِنْسَانٍ، وَضَعَ نَفْسَهُ وَأَطَاعَ حَتَّى الْمَوْتَ، مَوْتَ الصَّلِيبِ.‏ لِذلِكَ رَفَّعَهُ اللهُ أَيْضًا، وَأَعْطَاهُ اسْمًا فَوْقَ كُلِّ اسْمٍ لِكَيْ تَجْثُوَ بِاسْمِ يَسُوعَ كُلُّ رُكْبَةٍ مِمَّنْ ‏فِي السَّمَاءِ وَمَنْ عَلَى الأَرْضِ وَمَنْ تَحْتَ الأَرْضِ، وَيَعْتَرِفَ كُلُّ لِسَانٍ أَنَّ يَسُوعَ الْمَسِيحَ هُوَ ‏رَبٌّ لِمَجْدِ اللهِ الآبِ.»‏ ‏‏‏‏[١]

لقد كان أوريجينوس حقًّا دارسًا وفيًّا للأسفار المقدَّسة، وكان غنيًّا بروح الله الذي يقوده لفهم النصِّ ومِنْ ثَمَّ تفسيره. عندما تعرَّض أوريجين للنصِّ الوارد في حكمة سليمان:
‏«(الْحِكْمَةُ هِي) صُدُورُ مَجْدِ الْقَدِيرِ الْخَالِصُ‏‏» [٢]
شرح كيف أنَّ الحكمة، أي الابن الأزليّ لله الآب، هي صدور مجد القدير، أي الآب، هكذا:
[ما هو مجد القدرة؟ الله الآب هو كلِّي القدرة لأنَّهُ يسودُ على كلِّ الأشياء، أي على السماء والأرض، الشمس والقمر، وكلُّ ما عليهما. وهو يمارسُ السيادةَ عليهم بواسطة كلمته، لأنَّهُ: ‏«لِكَيْ تَجْثُوَ بِاسْمِ يَسُوعَ كُلُّ رُكْبَةٍ مِمَّنْ فِي السَّمَاءِ وَمَنْ عَلَى الأَرْضِ وَمَنْ تَحْتَ الأَرْضِ‏‏»‏. وإنْ كانتْ كلُّ ركبةٍ ستجثو ليسوع، إذن وبلا شكٍّ، فإنَّ يسوع هو الذي قد أُخْضِعَ له كلَّ شيء، وهو الذي مارس السيادة على كلِّ الأشياء، وبواسطته أُخْضِعَ الكلُّ للآب [٣]. لأنَّهُ بواسطة الحكمة، أي الكلمة والمنطق، وليس عن طريق الإجبار أو الحتميَّة، قد أُخْضِعَ الكلُّ.] [٤]  


ما يُحاول أوريجين هنا توضيحه هو الفارق المهول بينَ مجد الله ومجد الناس. فمجد الله الآب مجدٌ نقيٌّ ‏«لَا يَشُوبُهُ شَيْءٌ نَجِسٌ‏‏» [٥]، وقدرته لا تعتمد على الخضوع الإجباريّ أو الحتميّ بل بواسطة كلمته وحكمته الأزليّ، مُخلِّصنا يسوع.
هذا هو مجد الله الحقيقيّ، أنَّهُ وفي ظلِّ عدم وجود أيّ حدود لقوَّته وقدرته، إلَّا أنَّهُ لا يفرض الخضوع على الإنسان، بل يُحادثه بكلمته؛ هذا الإنسان الذي خُلِقَ عاقلًا لكي يكونَ حُرًّا، ولكي تُبْنَى علاقتُهُ بالله على أساسٍ حرٍّ غير مُقيَّد بقيود الحتميَّة والإجبار.
ولأنَّ مجدَ اللهِ الحقيقيّ ليسَ في قدرته على إخضاع الكلِّ إجباريًّا، بل يكمن بالحقيقةِ في حبِّهِ للبشريَّة، فقد كان مجدُ الآب الحقيقيّ هو أنْ يُرسِلَ كلمتِهِ لإنقاذ العالم وخلاصِه، وكان مجدُ الابنِ في أنَّهُ خَضَعَ بحريَّةٍ للآبِ وجازَ آلامَ الصلبِ والموتِ مِنْ أجلِ حياةِ العالَمِ [٦].

[إنَّ علامةَ الآبِ الخلاصيَّةِ في العالَمِ هي الابن؛ وعلامة الابن الخلاصيَّة في العالم هي الصليب] [٧]
وهنا، يختلف شرح أوريجين الأرثوذكسيّ للنصِّ البولسيّ المذكور أعلاه عمَّا يتبادر إلى مخيِّلتِنا حينما نقرأ النصَّ. فالله لَمْ يَسْقُط مِنْ مجدِهِ ولا خَسِرَ كرامةً ولا صارَ في مرتبةٍ أدنى حينما تجسَّدَ وصُلِبَ كما نتخيَّل، بل على العكس فإنَّهُ تمجَّد بالأكثر.
«أَيُّهَا الآبُ، قَدْ أَتَتِ السَّاعَةُ (أي ساعة الصلب). مَجِّدِ ابْنَكَ لِيُمَجِّدَكَ ابْنُكَ أَيْضًا... أَنَا مَجَّدْتُكَ عَلَى الأَرْضِ. الْعَمَلَ الَّذِي أَعْطَيْتَنِي لأَعْمَلَ قَدْ أَكْمَلْتُهُ. وَالآنَ مَجِّدْنِي أَنْتَ أَيُّهَا الآبُ عِنْدَ ذَاتِكَ بِالْمَجْدِ الَّذِي كَانَ لِي عِنْدَكَ قَبْلَ كَوْنِ الْعَالَمِ.» [٨]
لقد مجَّد الابن الآب حقًّا على الأرض، بأنْ أكمل العمل الذي أعطاه الآب إيًّاه، صارخًا على الصليب قبل أنْ  يُنكِّسَ رأسَهُ ويُسلِمَ الروحَ قائلًا: «قَدْ أُكْمِلَ» [٩]، وبهذا تمجَّد الآب بالحقِّ وتمجَّد الابن بالمجد الذي كان له قبل كون العالَم، ومِنْ ثمََّ شاركنا نحن في هذا المجد بنعمتِهِ: «وَأَنَا قَدْ أَعْطَيْتُهُمُ الْمَجْدَ الَّذِي أَعْطَيْتَنِي» [١٠]. ما هو هذا المجد؟ هو مجد إتمام عمل الآب وإرادته الصالحة، هذا الذي هو حمل صليب خلاص البشريَّة. الصليب الذي صار علامة المجد والنصرة، ولا مجد ولا نصرة خارجه.
[علينا أنْ نتجرَّأ في القولِ بأنَّ صلاحَ المسيح قد ظَهَرَ بشكلٍ أوضح وبشكلٍ إلهيٍّ أكثر ومطابق لصورة الآب حينما «وَضَعَ نَفْسَهُ وَأَطَاعَ حَتَّى الْمَوْتَ، مَوْتَ الصَّلِيبِ»، عمَّا إذا كان قد «حَسَبَ خُلْسَةً أَنْ يَكُونَ مُعَادِلاً للهِ» ولَمْ يرض أنْ يكونَ خادمًا لخلاص العالم.] [١١]
ما يقولهُ أوريجينوس هنا خطيرٌ ومربكٌ للذهن الغير مُهيَّأ أرثوذكسيًّا. فألوهيَّة المسيح لَمْ تظهر في ميلادِهِ البتوليّ ولا معجزاتِهِ الشفائيَّة ولا في إقامتِهِ للأمواتِ ولا في خضوع الشياطين له بالوضوح الذي ظهرت وتجلَّت به حقيقةً على الصليب، وسطعتْ على الكلِّ في القيامة!
وهنا أود أنْ ألومَ كلَّ مَنْ يُوجِّه لأوريجينوس تهمة أنَّهُ كان يحتقر الجسد، لأنَّهُ لَمْ يكنْ ليحسب أنْ اتِّخاذ الكلمة جسدًا هنا مجدًا وإظهارًا حقيقيًّا جليًّا لألوهيَّتِهِ بل كان سيعتبره احتقارًا للكلمة. ولكن وعلى أيَّة حال، ليس هذا بموضوعنا الآن.

في النهاية، علينا أنْ نفهمَ أنْ ما نتصوَّره نحن عن المجد الإلهيّ هو محضِ صورٍ ماديَّة سطحيَّة وغير ناضجة بالمرَّة: العرش الذهبيّ لله، والتاج المُرصَّع بالأحجار الكريمة، والصولجان المُحلَّى باللآلئ البهيَّة، وتسبيحات الملائكة، وقدرته على كلِّ شيء يريده وخضوع الجميع له خوفًا منه، وقدرته على إفناء الجميع وحرق المخالفين؛ بينما الشرح الأرثوذكسيّ للمجد هو في حبِّ الله الغير محدود تجاه الإنسان، والذي دفعه لخلق الإنسان مِنْ عدم الوجود ثُمَّ دفعه للتجسُّد والموت، وهو ليسَ في أيّ حاجة أو ضرورة لفعل ذلك.
ليتَ الإكليروس المعاصر، وأقولها بكلِّ أسفٍ، يفهمون هذه الحقيقة!! يفهمون ماهيَّة المجد الحقيقيّ. فما بِتنا نراه هو مجد العالَم الساقط الواقع عليهم، ولَمْ نعد نرى مجد المسيح المصلوب مِنْ أجلِ شعبه! لا أقصد الإدانة، فاللوم يطولني أنا أيضًا، ويطولكَ ويطولكِ، ويطول كلَّ مَنْ يدَّعي أنَّهُ مسيحيّ وهو ليسَ كذلك!

«فَدَعَاهُمْ يَسُوعُ وَقَالَ:
«أَنْتُمْ تَعْلَمُونَ أَنَّ رُؤَسَاءَ الأُمَمِ يَسُودُونَهُمْ، وَالْعُظَمَاءَ يَتَسَلَّطُونَ عَلَيْهِمْ. فَلاَ يَكُونُ هكَذَا فِيكُمْ. بَلْ مَنْ أَرَادَ أَنْ يَكُونَ فِيكُمْ عَظِيمًا فَلْيَكُنْ لَكُمْ خَادِمًا، وَمَنْ أَرَادَ أَنْ يَكُونَ فِيكُمْ أَوَّلاً فَلْيَكُنْ لَكُمْ عَبْدًا، كَمَا أَنَّ ابْنَ الإِنْسَانِ لَمْ يَأْتِ لِيُخْدَمَ بَلْ لِيَخْدِمَ، وَلِيَبْذِلَ نَفْسَهُ فِدْيَةً عَنْ كَثِيرِينَ».». [١٢]  

«فَلَمَّا كَانَ قَدْ غَسَلَ أَرْجُلَهُمْ وَأَخَذَ ثِيَابَهُ وَاتَّكَأَ أَيْضًا، قَالَ لَهُمْ:
«أَتَفْهَمُونَ مَا قَدْ صَنَعْتُ بِكُمْ؟ أَنْتُمْ تَدْعُونَنِي مُعَلِّمًا وَسَيِّدًا، وَحَسَنًا تَقُولُونَ، لأَنِّي أَنَا كَذلِكَ. فَإِنْ كُنْتُ وَأَنَا السَّيِّدُ وَالْمُعَلِّمُ قَدْ غَسَلْتُ أَرْجُلَكُمْ، فَأَنْتُمْ يَجِبُ عَلَيْكُمْ أَنْ يَغْسِلَ بَعْضُكُمْ أَرْجُلَ بَعْضٍ، لأَنِّي أَعْطَيْتُكُمْ مِثَالاً، حَتَّى كَمَا صَنَعْتُ أَنَا بِكُمْ تَصْنَعُونَ أَنْتُمْ أَيْضًا. اَلْحَقَّ الْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: إِنَّهُ لَيْسَ عَبْدٌ أَعْظَمَ مِنْ سَيِّدِهِ، وَلاَ رَسُولٌ أَعْظَمَ مِنْ مُرْسِلِهِ. إِنْ عَلِمْتُمْ هذَا فَطُوبَاكُمْ إِنْ عَمِلْتُمُوهُ.» [١٣]

في النهاية عزيزي القارئ وعزيزتي القارئة، أدعوكم لقراءة النصّ البولسيّ مرَّة أخرى، وتأمَّل كيف تمجَّد الله -بالحقيقة والفعل- في حياتك.

بنعمة الله، 
چورچ نسيم سامي


[١] رسالة مُعلِّمنا القدِّيس بولس الرسول إلى أهلِ فيلبِّي ٢: ٥- ١١.
[٢]  حكمة سليمان ٧: ٢٥.
[٣] راجع رسالة مُعلِّمنا القدِّيس بولس الرسول الأولى إلى أهلِ كورنثوس ١٥: ٢٧-٢٨: ‏«‏‏نَّهُ أَخْضَعَ كُلَّ شَيْءٍ تَحْتَ قَدَمَيْهِ. وَلكِنْ حِينَمَا يَقُولُ : «إِنَّ كُلَّ شَيْءٍ قَدْ أُخْضِعَ» فَوَاضِحٌ أَنَّهُ غَيْرُ الَّذِي أَخْضَعَ لَهُ الْكُلَّ. وَمَتَى أُخْضِعَ لَهُ الْكُلُّ، فَحِينَئِذٍ الابْنُ نَفْسُهُ أَيْضًا سَيَخْضَعُ لِلَّذِي أَخْضَعَ لَهُ الْكُلَّ، كَيْ يَكُونَ اللهُ الْكُلَّ فِي الْكُلِّ.»‏
[٤]  في المبادئ ١-٢-١٠.
[٥] حكمة سليمان ٧: ٢٥.
[٦] يقول القدِّيس أثناسيوس الرسوليّ: [لأنَّ مجدَ الآبِ هوأنْ يُوجَدَ الإنسانُ الذي كان قد خُلِقَ ثمَّ هَلَكَ، وهو أنْ يَحيا الذي ماتَ، وهو أنْ يَصيرَ الإنسانُ هيكلًا لله] المقالة الأولى ضدّ الآريوسيِّين، فقرة ٤٢.
[7] Commentary on Psalms 19, 6‏.‏
[٨] بشارة الإنجيل بحسب مُعلِّمنا القدِّيس يوحنَّا ١٧: ١، ٤-٥.
[٩] بشارة الإنجيل بحسب مُعلِّمنا القدِّيس يوحنَّا ١٩: ٣٠.
[١٠] بشارة الإنجيل بحسب مُعلِّمنا القدِّيس يوحنَّا ١٧: ٢٢.
[11] Commentary on John 1, 231. Cf. Commentary on John, 32. 318- 367.
[١٢]  بشارة الإنجيل بحسب مُعلِّمنا القدِّيس متَّى ٢٠: ٢٥- ٢٨.
[١٣] بشارة الإنجيل بحسب مُعلِّمنا القدِّيس يوحنَّا ١٣: ١٢- ١٧.

Tuesday, 17 October 2017

المجيء الثاني لابن الله- بحسب أوريچينوس





أوريچينوس ... حجر أساس اللاهوت الشرقيّ عامةً، والسكندريّ بالأخصِّ.
كان الشغل الشاغل لهذا اللاهوتيّ العملاق، هو التعمُّق في الكلمة الإلهيَّة قدر المستطاع، وعدم بالاكتفاء بالتوقُّفِ عند الحرف، فالحرف لا يُشبِع جوع مَنْ يُترنمُّونَ مع المرنِّم:
«كَمَا يَشْتَاقُ الإِيَّلُ إِلَى جَدَاوِلِ الْمِيَاهِ، هكَذَا تَشْتَاقُ نَفْسِي إِلَيْكَ يَا اللهُ. عَطِشَتْ نَفْسِي إِلَى اللهِ، إِلَى الإِلهِ الْحَيِّ. مَتَى أَجِيءُ وَأَتَرَاءَى قُدَّامَ اللهِ» ... «تَشْتَاقُ بَلْ تَتُوقُ نَفْسِي إِلَى دِيَارِ الرَّبِّ. قَلْبِي وَلَحْمِي يَهْتِفَانِ بِالإِلهِ الْحَيِّ.» (مزمور ٨٤: ٢؛ مزمور ٤٢: ١، ٢). 


لذلك، يُؤكِّدُ  أوريچينوس أنَّ غايةَ تفسير النصِّ الإنجيليّ هي روحنة حروفه:
[المُهِمَّةُ التي نَحنُ بِصددِها الآن هي أنْ نُتَرْجِمَ الإنجيلَ المُدرَك حسيًّا إلى إنجيلٍ روحيّ. لأنَّه ماذا يكون تفسير الإنجيل المُدرَك بالحواسِّ سوى ترجمته إلى إنجيلٍ روحيّ؟ سيكونُ قليلًا أو لا شيء أبدًا، وإنْ كانَ عامَّةُ الناسِ يؤمنونَ بأنَّهم يَنالونَ ما يَظهرُ مِنْ المعنى الحرفيّ.] (1)

 هكذا، لَخَّصَ أوريچينوس -بنفسه- مسيرةَ حياتِهِ ومغزى كتاباتِهِ العبقريَّة، والتي تستحقُّ مزيدًا مِنَ الاهتمامِ في مجال الدراسات المسيحيَّة، وتلك التي باللغةِ العربيَّةِ على وجه الأخصِّ.

إنَّ ما نسعى لتسليط الضوء عليه هنا هو لمحة بسيطة جدًّا عن الرؤية اللاهوتيَّة العميقة التي لأوريچينوس تجاه مسألة المجيء الثاني للمخلِّص، وكيفَ ربطَ الإسخاتولوجي Eschatology بالحياة الحاضرة في ضوء فهمه العميق والمنفتح جدًّا للأسفار المُقدَّسة في الحياة الكنسيَّة. 


هل يأتي الملكوت في ميعادٍ أو زمنٍ  Timeمُعيَّن كما يأتي المطر مثلًا؟! وهل هو "حدث وقتيّ"؟!

[ربَّما كلّ فضيلةٍ هي ملكوت السموات، وجميعُهم معًا هم ملكوت السموات. وفقًا لهذا فإنَّ كلَّ يحيا حياةً فاضلةً هو حاليًا في ملكوت السموات؛ وتلك الكلمات: «تُوبُوا ، قَدْ اقْتَرَبَ مَلَكُوتُ السَّموات» (بشارة مُعلِّمنا متَّى ٣: ٢؛ ٤: ١٧) لا تُشيرُ إلى زمن أو وقت ولكن إلى الأفعال والميل الداخليّ. لأنَّ المسيحَ، الذي هو كليّ الفضيلة، قد أتمَّ مجيئَهُ وتكلَّم؛ بالتالي، فإنَّ ملكوتَ اللهِ هو داخل تلاميذِهِ ، وليس «هُنَا» أو «هُنَاكَ» (بشارة مُعلِّمنا لوقا ١٧: ٢١).] (2)



المجيءُ الروحيّ للكلمة إلى الذهن اليقظ

[«فاسهروا إذا، لأنكم لا تعلمون أي يوم يأتي ربكم» (بشارة مُعلِّمنا متَّى ٢٤: ٤٢). المسيحيُّون البسطاء قد يعتقدون أنَّهُ يتحدَّث مُشيرًا إلى مجيئِهِ الثاني. ولكن آخرون قد يقولون أنَّهُ يُشيرُ إلى مجيء الكلمة الروحيّ الآتٍ لأذهان تلاميذهِ، إذْ لَمْ يَكُنْ قد جاء إلى نفوسِهِم بعد، كما كان سيجيء فيما بعد... ولكن في هؤلاء اليقظينَ المستعدِّينَ، يأتي بيوم مجيئه إلى نفوسِ هؤلاء الذينَ استناروا بالنور الحقيقيّ الذي له هو، هو مَنْ يأتي إلى نفوسِهِم] (3)



هل مجيء الكلمة هو مجيءٌ مكانيّ أو جغرافيّ؟! كيف سيَفرِزُ المسيح الأبرار والأشرار؟! كيف سينكشف كلُّ شيءٍ في ضوء سطوع النور الحقيقيّ الغير المخلوق الذي لمُخلِّصِنا؟!

[علينا أيضًا أنْ نَضَعَ في الاعتبارِ ما إذا كان مجيء مُخلِّصُنا في المجدِ (بشارة مُعلِّمنا متَّى ٢٥: ٣١- ٣٢) سوفَ يَحْدُثُ مكانيًّا، أمْ أنَّهُ يَجبَ علينا أنْ نبحثَ عن تفسيرٍ آخر. فأين هو هذا المكان الضخم الذي يُمكِنُ أنْ يسعَ الكلَّ في نفس الوقت،كِلا كلُّ الملائكة الآتين مع المسيح وكلُّ الأمم والشعوب المجتمعين هناك؟! ...
أنا أؤمن أنَّ زمان مجيء المسيح سيأتي حينما يكونُ هناك استعلانٌ للمسيح ولألوهيَّتِهِ حتَّى أنَّهُ، ليسَ فقط لَن يستطيع أحدٌ مِنْ ضمنِ كلِّ الأبرار ألَّا يراه، بل وأيضًا ولا واحد مِنْ ضمنِ كلِّ الخطاةِ سيستطيعُ أنْ يفشلَ في معاينةِ المسيح «كَمَا هُوَ» (رسالة مُعلِّمنا يوحنَّا الأولى ٣: ٢)، حينما يُدرِكُ الخطاة خطاياهم في وجهِهِ (أي في وجه المسيح) والأبرار يَرونَ بوضوحٍ ما قادتهم إليه بذارُ صلاحِهِم. هذا هو معنى: «وَيَجْتَمِعُ لَدَيهِ جَمِيعُ الْأُمَمِ» (بشارة مُعلِّمنا متَّى ٢٥: ٣٢). فإنْ كانَ حاليًا، في الوقت الذي لا يُدرِكُ «الْجَمِيعُ» المسيح «كَمَا هُوَ»، وهؤلاء الذينَ يبدو عليهم معرفته لا يعرفونه بانفتاحٍ، ولكن فقط بالإيمان يأتون لدى وجهِهِ حينما يأتونَ لمعرفتِهِ مِنْ خلال الإيمان- كما هو مكتوب: «ادْخُلُوا إِلَى حَضْرَتِهِ بِتَرَنُّمٍ» (مزمور ١٠٠: ٢)- فكم بالأكثرِ سيكونُ حقيقيًّا أنْ يُقالَ أنَّ كلَّ الأمَمِ سيجتمعونَ ويُفْصَلونَ بواسطتِهِ عندما يكونُ مرئيًّا (ظاهرًا) لهم جميعهم: الأبرار وكذلك الاشرار، مَنْ لهم إيمان وكذلك مَنْ ليسَ لهم إيمان، مُستعلَنٌ بحسب أعين عقولِهِم وليسَ بإيمانِهِم ولا بجهادِهِم في العثور عليه، ولكن ببساطة استعلانه لهم بتجلِّي وسطوع ألوهيَّتِهِ!
إنَّ ابنَ اللهِ لَنْ يَظْهَرَ في أيّ مكانٍ مُعيَّنٍ عندما «يَأْتِي ابْنُ الْإِنْسَانِ فِي مَجْدِهِ» ... ولكن ... «مَجِيءُ ابْنِ الإِنْسَانِ يَكُونُ كَمَا الْبَرْقُ الَّذِي يَخْرُجُ مِنَ الْمَشْرِقِ وَيَلْمَعُ حَتَّى الْمَغْرِبِ» (بشارة مُعلِّمنا متَّى ٢٤: ٢٧)... وهكذا، فإنَّهُ سيكونُ في كلِّ مكانٍ، وسيكونُ في كلِّ ناحيةٍ في نظرِ الكلِّ، والكلُّ، في كلِّ مكانٍ، سيكونونَ في نظرِهِ... لذلك، فطالما أنَّ الأشرارَ مُشوَّشينَ وُمضطربينَ غير عارفينَ أنفسهم ولا المسيح، غارقينَ في ضبابِ الضلال، وطالما أنَّ الأبرار يرونَ «فِي مِرْآةٍ، كَمَا فِي لُغْزٍ» ويَعرفونَ أنفسَهَم فقط «بَعْضَ الْمَعْرِفَةِ» (رسالة مُعلِّمنا بولس الرسول الأولى إلى أهلِ كورثنوس ١٣: ١٢) وليسَ وفقًا لما هُم عليه بالحقيقةِ- فالأبرار ليسوا مفروزين عن الأشرار. ولكن حين يكونُ للجميع معرفة ذاتيَّة بواسطة استعلان ابن الله، حينئذ سيفرزُ المُخلِّص الأبرار عن الأشرار.] (4)

----------------------------------------------------------------------------------------------------------

References:
1) Commentary on the Gospel of John, Book I, Paragraph 45
2) Commentary on the Gospel of Matthew, Book XII, Chapter 14
3) Commentariorum Series (ancient Latin translation of the Commentary on Matthew),
Paragraph 59 
4) Commentariorum Series (ancient Latin translation of the Commentary on Matthew),
Paragraph 70














Wednesday, 22 February 2017

مدخل بسيط لفهم التدبير الإلهيّ



هل خطة الله في حياتي اني أسافر بره ولا أقعد جوه؟
هل خطة الله لحياتي هي اني أتجوز x ولا y؟
هل خطة الله لحياتي اني أبقى دكتورة ولا مهندسة؟

الحقيقة الله مالوش أي خطة في حياتك إلا خطة واحدة بس: 
«إِنَّ مَشِيئَةُ اللَّه إِنَّمَا هِي تَقْديسُكُمْ» (رسالة مُعلِّمنا بولس الرسول الأولى إلى أهل تسالونيكي ٤: ٣)،
أو زي ما بيقول الرسول في موضع تاني: 
«مُبَارَكٌ اللهُ أَبُو رَبِّنَا يَسُوعَ الْمَسِيحِ، الَّذِي بَارَكَنَا بِكُلِّ بَرَكَةٍ رُوحِيَّةٍ فِي السَّمَاوِيَّاتِ فِي الْمَسِيحِ، كَمَا اخْتَارَنَا فِيهِ قَبْلَ تَأْسِيسِ الْعَالَمِ، لِنَكُونَ قِدِّيسِينَ وَبِلاَ لَوْمٍ قُدَّامَهُ فِي الْمَحَبَّةِ، إِذْ سَبَقَ فَعَيَّنَنَا لِلتَّبَنِّي بِيَسُوعَ الْمَسِيحِ لِنَفْسِهِ، حَسَبَ مَسَرَّةِ مَشِيئَتِهِ ... إِذْ عَرَّفَنَا بِسِرِّ مَشِيئَتِهِ، حَسَبَ مَسَرَّتِهِ الَّتِي قَصَدَهَا فِي نَفْسِهِ، لِتَدْبِيرِ مِلْءِ الأَزْمِنَةِ، لِيَجْمَعَ كُلَّ شَيْءٍ فِي الْمَسِيحِ، مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا عَلَى الأَرْضِ، فِي ذَاكَ الَّذِي فِيهِ أَيْضًا نِلْنَا نَصِيبًا، مُعَيَّنِينَ سَابِقًا حَسَبَ قَصْدِ الَّذِي يَعْمَلُ كُلَّ شَيْءٍ حَسَبَ رَأْيِ مَشِيئَتِهِ، لِنَكُونَ لِمَدْحِ مَجْدِهِ، نَحْنُ الَّذِينَ قَدْ سَبَقَ رَجَاؤُنَا فِي الْمَسِيحِ» (رسالة مُعلِّمنا بولس الرسول الأولى إلى أهل أفسس ١: ٣- ٥؛ ٩-١٢).
التدبير الإلهي (أو الخطة الإلهية) الوحيدة في حياة الإنسان هي خلاصه وقيامته. الله بكل فرح وحب بيقدم لك حياته علشان تشترك فيها وتنال منها: 
«هَكَذَا أَحَبَّ اللهُ العالَمَ حتَّى وَهَبَ (جَادَ بِـ) اَبنَهُ الأوحَدَ، فَلا يَهلِكَ كُلُّ مَنْ يُؤمِنُ بِه، بَلْ تَكُونُ لَهُ الحيَاةُ الأبدِيّةُ. وَاللهُ أَرْسَلَ اَبنَهُ إلى الْعَالَمِ لَا لِيَدِينَ الْعَالَمَ، بَلْ لِيُخَلِّصَ بِه العالَمَ» (الإنجيل بحسب مُعلِّمنا يوحنَّا اللاهوتيّ ٣ :١٦- ١٧).
الرب يسوع لما صلى في جثيماني وقال: «وَلكِنْ لِتَكُنْ لاَ إِرَادَتِي بَلْ إِرَادَتُكَ» (الإنجيل بحسب مُعلِّمنا لوقا البشير ٢٢: ٤٢)، مكانش بيتكلم عن استسلام للخطة الإلهية الموضوعة عليه، لكن كانت طلب معونة من الآب –بحسب ناسوته- علشان يكمل التدبير الإلهي الموضوع من قِبَل الثالوث لخلاص البشرية. هي دي إرادة الآب والابن والروح القدس للبشرية، ان الإنسان يقدر يشترك في حياة الثالوث. ولأن الإنسان مخلوق من العدم، فطبيعته متغيرة وممكن تميل للشر بحسب حرية إرادته، وعمره ما هايوصل للخلود بدون الله أصل الحياة. علشان كده بنقول التجسد كان هايتم حتى لو آدم مكانش أخطأ، علشان حتى لو مكانش أخطأ عمره ما كان هايوصل للإتحاد الأبدي الكامل مع الله من غير تجسد، ولأن التدبير الإلهي مافيهوش رد فعل، فالتجسد مكانش رد فعل للخطية، ولا الخطية أربكت الخطة الإلهية تجاه الإنسان وخلت الآب يضحي بابنه علشان يرضي عدله وكرامته. نفهم من كده ان فداء المسيح كان من أجل حياة العالم مش من أجل إرضاء غضب الآب على البشرية أو علشان العدل الإلهي. تجسد الكلمة وموته وقيامته كانت من أجل موت الموت وقيامة الحياة فيك. خلاصك من الموت وتألهك هو إرادة الآب مش فعل بيتم رغمًا عنه، لأنه صالح ومش بيبخل على مخلوقاته بأي شيء (راجع: القديس أثناسيوس الرسولي، تجسُّد الكلمة ٣: ٣). القديس العظيم كليمندس السكندري بيقول:
[إنَّها مشيئةُ اللهِ أنْ نَبْلُغ معرفة الله، التي هي سبيلنا للخلود.] (المتفرِّقات، الكتاب الرابع، الفصل السادس)
[الإنسان يصير إلهًا لأنَّ الله يريد ذلك... الله صار إنسانًا والإنسان (أي الربُّ يسوع المسيح) هو الله، كوسيطٍ (بين الله والبشر) يُتمِّمُ إرادة أبيه] (الـمُربِّي، الكتاب الثالث، الفصل الأوَّل، الفقرة ٢)
إرادة الله ومشيئته اللي بنصليها في الصلاة الربانية (الإنجيل بحسب مُعلِّمنا متِّى البشير ٦: ١٠) واللي صلاها الرب يسوع في جثيماني (الإنجيل بحسب مُعلِّمنا لوقا البشير ٢٢: ٤٢)  مش دعوة للإستسلام والتراخي والتواكل والاعتماد على القدر الإلهي، لكن هي طلب معونة النعمة الإلهية في مواجهة العدم والشر والنمو نحو الله .. نحو الكمال والخلود والتأله.

خطة الله في حياتك هي انك تشترك فيه، وهو قام بالجزء الأكبر (المبادرة) من الخطة دي عن طريق انه:
١)     خلقك من حالة عدم الوجود، ومش بس كده، لكن أعطاك نعمة إضافية انك تكون على صورته. وكونك على صورته، هي إمكانية انك –بجهادك الشخصي- تكون على مثاله.
٢)    تجسد واتحد بك اتحاد أبدي غير قابل للإفتراق أو الإنفصال أو التغيير، وأعطاك قيامة وانتصار على الموت.
٣)    أودع فيك الروح القدس وجعلك شريك في الطبيعة الإلهية (رسالة مُعلِّمنا بطرس الثانية ١: ٤)، وبكده انت قادر تنتصر على أي قوة من قوى الشر وعلى الموت نفسه.
ولأن الله مش بيلعب بمجموعة دُمى وعرائس، فهو حابب انك تشترك معاه في الخطة بجهادك وحبك. الله كان ممكن يخلقك كامل من البداية، لكن ده يتعارض مع صلاحه وحبه لك واحترامه لحرية إرادتك، لأنه لو خلقك كامل فمعناه انه بيفرض عليك حبه وطاعته بالطبيعة والإجبار مش بالإختيار. انت شريك الله في خطته، مش كمجرد عبد أو مُنفِّذ لإرادة حد تاني.

نستنج من اللي اتقال ان:
سفرك أو قعادك اختيارك مش اختيار الله ...
جوازَك من فلانة أو جوازِك من فلان اختيارك مش اختيار الله ...
دراستك وشغلك اختيارك مش اختيار الله ...

الله داخل معاك في علاقة حب الهدف منها خلاصك، وكلمة علاقة = شركة إرادة بين اثنين بالحب لا الغصب
ان ارادتك تكون كإرادة الله معناه ان إرادتك تهدف نحو خلاص نفسك والاتحاد بالله- بمعنى ان إرادتك توافق الإرادة الإلهية، مش انك تلغي شخصيتك وإرادتك الحرة من أجل إرادة آخر (تسمع عن بدعة أوطاخي؟).
الله طبعًا يعرف كل شيء ويعرف المستقبل لأنه بالنسبة له حاضر وعلشان هو كلي المعرفة، مش لأنه كاتبه أو محضره كأنه فيلم أو مسلسل.
مافيش أجمل من قول العظيم جدا أوريجينوس أنهي به:
[إلَّا أنَّ علم الله السابق لا يَنبغي أنْ نَعتبِره سببًا لما يجري مِن أحداثٍ أو آثارٍ تتبَّع أعمالنا الحرَّة الناجمة عن انفعالاتنا الخاصَّة. لأنَّ علم الله السابق لا يعني سلب إرادة الإنسان أو التدخُّل في حريَّتهحتَّى لو افترضنا أنَّ الله لا يَعرِف ما سيَحدُث، فلا يسعنا رغم هذا إلَّا أنْ نختار أنْ نفعل هذا أو ذاك- ولكن كنتيجة لعلمه السابق، لابد للأعمال الإراديَّة التي تَصدُر عن الإنسان أن تتواءم وتتلاءم مع الترتيب والتنسيق الذي ينتظم الوجود جميعًا، حيث أنَّه ضرورة لازمة لوجود الكون أو الوجود كلّه] (على الصلاة الربانية، الفصل الثاني ، فقرة ٣)
 بنعمة الله، 

Wednesday, 21 September 2016

الاتَّحَادُ الزِّيجِيُّ الَّذِي سَبَقَ الْولَادَةَ مِنَ الرُّوحِ




في ملءِ الزمان، دَخَلَ اللاهوت إلى مخدع الزيجة التي سَتُغيِّر مسارَ التاريخ بأكمله، وسَتَعْتِق الإنسانَ مِن الإنزلاقِ نحو العدم الذي جاء منه وعَادَ إليه.  
دَخَلَ اللاهوت إلى مَعْمَلِ الاتحاد، حيث هيَّأَ الروح القدس المكان ونقَّاه استعدادًا لهذه اللحظة الـمُنتظرَة 
دَخَلَ اللاهوت فوجَدَ خليَّة (Cell) الناسوت -عروسه- في انتظاره على أحرِّ من الجمرِ. 
دَخَلَ اللاهوت واحتضن عروسه وحبيبته، وقَبَّلها بقبلاتِ الرحمة والحنان والقبول، ثمَّ اتَّحد بعروسِه -كمثال اتحاد الرجل بالمرأةِ عاطفيًّا وذهنيًّا وجنسيًّا في عالمنا، وأودَع -اللاهوت- المعرفة الإلهيَّة في رحم الناسوت، حيث تمَّ الإخصابِ (Fertilization) بين المعرفة الإلهيَّة -الـمُودَعَة من لاهوت الكلمة- وبويضات الجهاد الإنسانيّ، تلك التي كانت تُنْـتَج مِنْ حينٍ للآخر بواسطة جهاز الإنسانيَّة التناسليّ -أي العقل البشريّ- على أملِ الإخصاب ونمو جنينًا إلهيًّا، يُمثِّل الإنسانيَّة الجديدة. ولكن، فقد كانت هذه البويضات تُقابِل في النهاية مصيرها وهو الموت، وتُطرَح خارج الجسدِ بنزيفٍ مُؤلمٍ، كمثال دورة المرأة الشهريَّة (Menstrual Cycle) في عالمنا.

حقًّا كان الناسوت الـمُتهالِك -بسبب الخطيَّة وفسادها- يَنْتَظِرُ تلك اللحظةِ التي يَــتَّحِدُ فيها بخالقه اتحادًا أبديًّا لا يَقْبَل الانفصال أو الافتراق، فيُغرِّدُ مرَّة أخرى في سماءِ الحياةِ الإلهيَّةِ في الفردوسِ بعدما سَقَطَ تحت سلطانِ المادة، وصار عاملي المكان والزمان هما أشدّ أعداءه وأكبر مصادر لخوفه ورعبه وارتباكه، ففي عالمه كلاهما مرتبط بالموتِ ارتباطًا وثيقًا.  
لقد كانت البشريَّةُ غارِقَةٌ في طوفان فسادِها وتحتَرِق من نارِ وكبريتِ خطاياها. فقد حلَّت السرقةُ محلَّ العطاءِ، وحلَّ الزنى محلَّ الحبِّ، وحلَّ الظلمُ محلَّ العدلِ، وحلَّ القتلُ محلَّ الشفاءِ. 
لقد حلَّ الشرُّ محلَّ الله في قلبِ الإنسانِ، ولذلك حلَّ الموتُ محلَّ الحياةِ.  
ولهذا، فقد فَشِلَت المعرفة الـمُجرَّدة في إخصابِ البويضات، كما فَشِلَت القوَّة، وفَشِلَ التَسلُّط، وفَشِلَ كلُّ ما ظنَّ به الإنسان أنَّه سَيَصير إلهًا خالدًا، مُتَساميًا فوق الموتِ والفسادِ. 
لقد كانت كلّ محاولات الإنسان لخلق آلهةٍ له ما هي إلَّا محاولة لإخصابِ بويضات جهاده لولادة الإنسان الجديد، كاهن الخليقة والشبيه للطبيعة الإلهيَّة، أو بمعنى آخر، كمحاولة لاغتصابِ الألوهةِ. ولكن، لقد كانت تلك الآلهة مُصَابة بالعقمِ، ولم تُحرِّر الإنسان، بل أوقعته بأكثرِ قسوةٍ وإحباط داخل حيِّز العبوديَّة. 

ظنَّ البشرُ بأنَّ السقوطَ الشنيعَ مِنْ جنَّةِ عَدْن كان بمثابةِ نهايةِ قصَّتهم المأسويَّة، وأنَّ به تلاشت فرصتهم الوحيدة للظفرِ بالخلود الكامن في عمقِ الألوهةِ. وصار أقسى طموحهم هو أنَّ يَبُلَّ أحدٌ طرفَ إصبعه ليُبرِّد النارَ الـمُشْتَعِلَةَ في حلقِهم، هذا الذي صارَ جافًا مِنْ شدِّةِ اللهيبِ وكثرةِ الصرير. ولكن حتَّى تلك الـمُنْيَة قُوبِلَت بالإجهاضِ لأنَّهم ظَنُّوا أنَّ الهوَّة العظيمة الكامنة بينهم وبين خلود اللاهوت ونعيمه لا يستطيع أنْ يَعبُرها أحدٌ قط (إنجيل لوقا ١٦: ٢٤، ٢٦). وما هي تِلك الهوَّة العظيمة سوى إتمام موت العتيق، وإحياء الجديد في الإنسان. أي أنَّ هذه الهوَّة كانت تجديد الخليقة بأكملها، وهو ما يُعَدُّ خارِج إمكانيَّات البشر أجمعين، فليس واحدٌ منهم لديه القوَّة والقدرة ليَخْلِق ويُجدِّد. لذلك، فقد تَعَطَّف الحَمَلُ الـمَذْبوح-الأسدُ الغالب الخارج مِن سبطِ يهوذا (رؤيا ٥: ٥، ٦)، وعَبَرَ الهوَّةَ، آتيًا إلينا في جحيمِنا، ليتَّحدَ بناسوته. ليس فقط ليُبطِل الموتَ الـمُتَسَلِّطَ علينا، بل بالحريّ ليُعطينا حياته، في ذاته. 


وبعدما تمَّ الإخصاب بين ما هو إلهيّ وما هو بشريّ، تكوَّن ونَـمَا في المخدع رأس الإنسانيَّة الجديدة، بكرُ خليقتنا الجديدة، والأخُ الأكبر لنا وقائدنا، ابن الله وابن الإنسان، نِتَاجُ اتحاد الحبّ والصلاح الإلهيّ بالعالم المخلوق والمادة المائتة: يسوع المسيح، وصار بجسده وارثًا ما هو للاهوته فصار ناسوتًا جديدًا، مُمَجَّدًا ومُؤلَّهًا، على صورةِ الله ومثاله بشكلٍ واضح.

إنَّ هذه العمليَّة ليست عمليَّة تاريخيَّة وحسب، تمَّت وانتهت في لحظةٍ ما، بل هي تعلو فوق الزمانِ ولازالت في حدوثٍ مستمرٍّ غير مُنقطِعٍ. 
فَمِثلما حَدَثَ مع الإنسان يسوع المسيح في مخدع العذراء من اتحاد اللاهوت بالناسوت، يحدث معنا ولنا في مياه المعموديَّة (بالنعمةِ وعلى قدرِ استطاعتنا)، فيُهيِّئ الروح القدس المخدع في رحم الكنيسة ويُقدِّس الماء، حيث يحلّ اللاهوت ويَتَّحدُ ببويضات الكنيسة، ويأتي منها بأولادًا له على صورة الله، مُمَجَّدين ومعتوقين من الأسرِ للزمانِ والمكانِ. 
فبعد أنْ كان كلٌّ مِنَّا يَصْرُخ: «ملعون اليوم الذي وُلِدت فيه، اليوم الذي ولدتني فيه أمي لا يكن مباركًا» (أرميا ٢٠: ١٤)، ونئنُّ قائلين: «إنِّي في الإثمِ ولِدت وفي الخطيئة حبلت بي أمي» (مزمور ٥١: ٥)، صرنا نُولَد بشرًا سمائيِّين من اللاهوت بالروح القدس (إنجيل يوحنَّا ٣: ٥، ٦؛ رسالة يوحنَّا الأولى ٣: ٩)، وحُبِلَ بنا بالنعمة والحقِّ (إنجيل يوحنَّا ١: ١٢- ١٧) بقيامة الربّ من بين الأموات، لميراثٍ لا يفنى ولا يتدنَّس ولا يضحمل (رسالة بطرس الأولى ١: ٣، ٤). 
  
ينبغي أيضًا أن نُدرِك أنَّ الولادة من الماءِ والروح ليست فقط مُقْتَصِرَة على الإتحاد الزيجي الذي تمَّ بين اللاهوت والناسوت في عمليَّة التجسُّد، بل أيضًا تَشْمَل الشركة في موتِ الربِّ وقيامته والاستعداد للصعودِ فيه ومعه وبه إلى الآب. هذا يبدأ في مياهِ الأردن، ويَتَـثَـبَّت بالميرون الـمُقدَّس، ويتأصَّل ويتمُّ بالشركة في جسدِ الربِّ ودمِه. 
بالتناولِ من جسده نصير أعضاء جسده، من لحمه ومن عظامه، ولأنَّنا صرنا أعضاء جسده الـمُقدَّس، يَجِب أن يسري دمه فينا، ليُغذَّي كلَّ عضوٍ فينا بما يحتاج من غذاءٍ وتقويةٍ، وليخلَع عنَّا المواد السامة ومخلَّفاتِ الخطيَّة الفاسدة.
  
علينا أنْ نَفْهَم ونُدرِك هذا السرّ  ليس كما لو كان رمزيًّا أو خياليًّا، بل على أنَّه واقع حيّ وحقيقيّ (وغير حرفيّ بالطبع في ذات الوقت)، أي نفهمه سرائريًّا. نعم نحن نشترِك في حياة الربِّ يسوع بكلِّ ما تمَّ فيها، ونَتَخطَّى حدودَ المكانِ وحاجز الزمان لِنَكُونَ فيه ونُشارِكه كما شَارَكنا.
  
فإنْ كان كلّ من فِعل التجسُّد والفداء والقيامة هو مُجرَّد حدثًا تاريخيًّا تمَّ في مرحلةٍ زمنيَّة مُعيَّنة في شخصٍ واحدٍ فقط وانتهى، لكان بِلَا فائدة ولا انتفعنا مِنْهُ شيئًا، ولا نُلنا الخلاص الـمُعَدُّ قبل تأسيس العالم!!  
بينما، في الواقع الروحيّ والبُعد السرائريّ، نَرَى كلَّ فعلٍ في ذاته على أنَّه حركة دينمايكيَّة (Dynamic) مجانيَّة يَمتدُّ مفعولها فوق الزمن ويَصِلُ لكلٍّ منَّا بواسطة اتحادنا بالمسيح وشركتنا فيه، إذ قد جَمَّعنا جميعًا فيه وبذر نفسه في كلِّ واحدٍ منَّا بطريقةٍ سرائريَّة -أي بواسطةِ تناول جسده المقدَّس ودمه الكريم، فصرنا مِنْ نفس الجسد والدم وتَثبَّتنا كأغصانٍ في الكرمةِ الحقيقيَّة، وصرنا أيضًا من نفس طبيعتها المجيدة الغير قابلة للفساد.  

إنَّ التاريخ والزمن لا تأثير لهم إطلاقًا في شفاءِ كيان الإنسان الفاسد، بينما قُبول تبني الآب وشركة لاهوتيَّة الكلمة واقتناء نار الروح القدس يَنقِل الإنسان مِنْ الترابِ إلى السماءِ مُرتَديًا ثوبًا جديدًا ناصعًا، هو ثوب اللاهوت.  
هكذا، بشركتنا في طبع الكلمة الـمُتَجَسِّد كابنٍ وإله، نَخلَعُ عنَّا العتيق ونصير مُشارِكين في الحياةِ (الثالوثيَّة) الإلهيَّة.

لقد اخْتَرَقَ غير الـمَخلوق (الكلمة) الـمَخلوق (الزمان والمكان) ليَقضي على العدمِ (الموت) وبذلك هَدَمَ كلَّ أبعادِ الخوفِ التي تُهدِّدُ حياةَ الإنسانِ، وثَـبَّتَ فيه عَدم الفسادِ (الحياة الإلهيَّة التي لا تَفنى)، فَنُلنا - فيهِ وَمِنْهُُ وَبَهِ وَلَهُ- كيانًا وَوجُودًا غَيْرَ زَمَنِيٍّ، غَيْرَ مَوضِعِي وَغَيْرَ مَائِتٍ.  
فَلْنَشْتَرِكُ إذن في فِعْلِ التَجسُّدِ وفِعْلِ الفداء وفِعْلِ القيامة عن طريق الاشتراك السرِّي والـمُقدَّس في الإفخارستيا الـمُحييَّة، ولنحاول -على مدى حدود اتساع إدراكنا وعلى قدر عقلنا المحدود- أنْ نُدرِك نقطة التقاء الفعل الذي تمَّ في الماضي (تاريخيًّا) بالفعلِ الذي يتمُّ في الحاضرِ (سرائريًّا)، بل بالحري الفعل الذي يَقِف أمامه الزمن (المخلوق) مُتَحيِّرًا كيف يُؤَرِخُ بِدء زمانه ويَحُدَّ زمان انتهاءه.